حزن لا يؤذي أحدا!

طفل تعلم المشي للتو، يحاول أن يقضي أطول وقت ممكن وهو يجرّب اكتشافه الجديد، أمه تلاحقه بنظراتها وتبتسم وتخاف عليه من كل الأشياء التي لا تخيف، من الهواء من أن يتعثر بكتاب من أن يصطدم رأسه بحافة الباب، وهو يضحك مزهواً بخطواته الأولى!لكن هذا المشهد يقطعه برميل متفجر، يتفحم الطفل في زاوية الغرفة، وتختفي بقايا الأم تحت الركام!لكن أحدا لم يتعاطف مع الأم ولا مع الطفل ولم ترسم خطواته الصغيرة ولا ضحكاته الحية ولا موته الضاحك على صدر صفحات صحف العالم، هكذا بدأت قصتهما وانتهت دون أن يشعر بهما أحد ودون أن يبكي عليهما أحد!وفي زاوية أخرى رجل طاعن في السن يبكي مقهوراً لأنه رأى بعينيه أشلاء أفراد أسرته وهي تتوزع على ما بقي من حيطان منزله، كان يتهيأ ليكون أول راحل من هذه الأسرة لكنه كان الأخير.
وفي مكان آخر طفل انتظر أمه فلم تأت، وانتظر والده فلم يحضر وبحث عن أخوته فلم يجدهم، وحين تمتلئ رئتاه برائحة الخوف وقلبه بوجع الانتظار يموت وحيدا، فيجد كل الذين بحث عنهم أمامه!لم يشاهد أحد هذه القصص، لكنها تحدث كل يوم، فالوجع هو ثروة الأرض التي لا تنتهي، ولم يحزن أحد مع أن الجميع يعلم يقيناً أن كل هذا يحدث!لم يحزن أحد ولم يندد أحد ولم يغضب أحد مع أن كل الأحداث تقول للأحزان «هيت لك»، ليس لأن الناس ملوا الحزن وكرهوا التعاطف الموقت، كل ما في الأمر أن الضحية حضرت، والمجرم كان موجوداً، والموت يملأ المكان، والقهر يتجول في الأرجاء، لكن «الكاميرا» كانت غائبة!