لماذا نكتب؟
الأحد، ٦ سبتمبر ٢٠١٥أعترف أنني بين كل فترة وأخرى أطرح على نفسي هذا السؤال، ودائما ما أتجاهل نفسي كي لا أكون المجيب، فأبحث عن ما قاله الآخرون، وعدم محاولتي الإجابة على السؤال ليس خوفا من أن لا أجد الجواب المناسب، بل على العكس تماما، فأنا أخاف فعلا أن أجد الإجابة!، ومعنى أن أجد سببا مقنعا لذلك فهذا أحسبه سببا كافيا ألا أكتب بعد ذلك، فالأجمل في الكتابة – لي على الأقل- هو هذا التيه، والمتعة في البحث عن الجواب أكثر إغراء من الجواب ذاته، ربما لأنني – نفسيا على الأقل - مغرم بالترحال، وأجد بين جناحي القلق متعة لم يجدها منتش على سرج سابح، ولستُ مغرما بالجلوس والمجالس والجلساء، ولا فرق عندي بين صدر مجلس محشو بالمجاملات أو عجز شاعر لا يمر منه أصحاب سعادة، ويكتفي بعرق وأرق أصحاب الشقاء، وإن كنت أجد في الفريق الأخير روحا هي الأقرب للكتابة.
الكتابة – كما أفهمها – الحرية والانفعال والشيطنة، فيما كتابة أرباب السعادة والنخب هي أقرب لعمل و"شغل" له أدواته وأطره وحدوده، وما زلت أتذكر إجابة الأديب الشاعر البحريني قاسم حداد عندما سئل عن الكتابة قال: (الكتابة امتياز يحسدنا عليه الملوك)، وهذه إجابة ذكية جدا بعيدا عن كونها صادقة أو العكس، فهو أجاب على السائل، لكنه لم يجب على السؤال، ولو سُئل الملوك لقالوا إنهم فعلا يحسدون الكتّاب، وإجابتهم ليس من باب (أعطوهم على جوّهم)، بل من نافذة (دعوهم في غيّهم يعمهون)، خاصة في هذا الزمن الذي لم يعد الملك أو السياسي يتحسس مسدسه عندما يسمع كلمة كاتب أو مثقّف، والأخيرة لا أعرف معناها بالضبط، لكنها دائما تأتي في سياق غير جيّد ككلمة فيلسوف في المجتمع العربي، أما أنا عندما أُحاول الإجابة عن السؤال الذي تمدد في العنوان فأنني أتذكر قصة تُروى حدثت بين سيّد مكاوي وأُم كلثوم، حيث كانا في جلسة سمر، فأخذ سيد العود وراح يدندن حتى وصل لسماء السلطنة، وتماهى كثيرا مع الوتر، وفي نشوته تلك قاطعته أُم كلثوم طالبة منه أن يتوقف، وعندما استفسر عن سبب طلبها فاجأته بقولها (إنك انتقلت من مقام لمقام دون أن تشعر)، فما كان من سيّد مكاوي إلا أن برر ذلك بقوله: (يا ست أنتِ مش شايفه إنى أعمى؟)، ولو سُئلت – لا سمح الله – عن علاقة هذه القصة في إجابتي عن السؤال (لماذا تكتب؟) فأنني لن أتهرب بحجة انتهاء المساحة (كما أفعل دائما)، ولن أقول إنني لا أعرف إجابة منطقية للسؤال، بل سأعترف أنني أعرف الرابط بين هذه القصة وإجابتي على السؤال، لكنني - بكل صدق- لا أستطيع قول ما أعرفه!
fheed.
a@makkahnp.
com