بعد أن تحولت إلى صناعة سعودية بامتياز

اتخذت النكتة السوداء، التي تتنامى من المخيلة الشعبية المسحوقة غالبا، منحى اجتماعيا واضحا، وباتت النكتة المحلية الطازجة هي المتداولة بين كافة شرائح المجتمع وفق الأحداث والمتغيرات التي تعصف بالناس وتؤثر على حياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى أضحينا مصنعا متفوقا للنكتة الساخرة والتي قد تخفف من الاحتقان النفسي لتتحوّل المأساة إلى قهقهات تملأ الروح أملا ً في حياة أفضل ومستقبل أكثر تفاؤلا وجمالا، ومن هنا نتساءل: لماذا تحولت النكتة من مستورد خارجي إلى منتج محلي بامتياز؟ وكيف يصنع المواطنون نكتتهم الخارجة من معاناتهم اليومية؟

تركية الثبيتي: بضحكاتنا نتجاوز خيباتنا

لم تُبقِ لنا الحياة شيئاً نسخر منه سوى خيباتنا التي لم ولن تنتهي ما دمنا علكة تمضغنا الحياة بحروفنا التي تتشنج كلما وطئها القلم ساكباً نزيفها على هممنا،نصهر عجزنا في عبارات لطيفة تضحكنا حتى تطفر دموعنا الحقيقية المختبئة تحت ظلال الضعف
ما الذي لا يجعلنا نسخر ونحن في زمن تتسارع فيه الحضارة وكل خطواتنا تمضي متعثرة؟ لقد أضحت السخرية سمة عامة،لأن الجميع بدأ يدرك أننا أمة متأخرة


عبدالله الكعيد: محاولة لفهم المزاج الشعبي

النكتة السوداء تشكل في نظري جزءاً مهمّاً من الحراك الاجتماعي والفكري والسياسي لأي مجتمع، وهي مقياس مهم لمحاولة فهم المزاج الشعبي لأي مجتمع ،كما أنها جزء من مقاومة الواقع ولو من خلال السخرية منه
والإنسان بطبعه كائن ساخر، وكأنما السخرية هذه تساهم في تفكيك توتره أمام الشعور بالعجز
شخصيا أفرق بين النكتة السوداء الطبيعية التي هي نتاج شعبي خالص وبين النكت المصنوعة لأهداف ربما تكون سياسية أو فكرية كما يحدث في بعض البرامج التلفزيونية «باسم يوسف مثالا أو بعض مواقع اليوتيوب ،هذا النوع من النكت السوداء أو الساخرة هو في حقيقته موجه وغير صادق بخلاف النكتة التي تنبع من رحم المجتمع من دون أن نعرف من أين ابتدأت ومن قالها


زكي الصدير: هي السخرية اللاذعة من واقعنا

كلي ثقة بأنّ ما نلمسه الآن من مشاهدات ساخرة على أوضاعنا العربية والمحلية في تويتر، وفيس بوك، وبعض التعليقات في الصحف،هو امتداد طبيعي لما أسماه هنري برجسون «الدلالة» التي اشتغل عليها في بحثه الطويل عن «المضحِك»
لهذا فالحديث عن الألم من خلال يوميات «المواطن البسيط» هو ذاته البحث عن «الضحك»
النكتة انعكاس طبيعي لمفارقة الموقف، ومن باب «شر البلية ما يضحك» يبدو أن الوطن العربي متشابه في آلامه وفي قضاياه، ونحن –السعوديين- لا نختلف عن النسيج العربي العام
وهذا واضح جداً، فلقد بدأ «السعوديون» في صناعة مسرحيتهم التي لا يجيدون سوى الضحك عليها في كلّ مرة يشاهدون فيها أنفسهم


عاطف بهجات: النكتة وسيلة من وسائل النقد

النكتة سلاح يشهره الإنسان لمجابهة الموقف بالفكر عندما تعجزه القوة
ولكل شعب سخريته التي يستعصي على غيره فهمها والتفاعل معها، إما لحاجز اللغة أو العادات الاجتماعية المتباينة من بلد إلى آخر
وتراثنا اﻷدبي مليء بتلك النماذج أمثال أبي الشمقمق
السخرية كما قال مكدوجل وسيلة مدهشة من وسائل ضبط النفس، وهي صورة من صور النقد ليس لها جفاف النقد، ﻷنها تسوق الحقيقة مغلفة بالفكاهة، وهو ما يجعل التجاوب معها أسهل وأسرع، إذ تدخل سريعاً في مزاج عامة الشعب، وأقرب إلى الطبيعة الشخصية
والإنسان إذا لم يجد ما يسخر منه سخر من نفسه كما فعل الصعاليك المحدثون مثل عبدالحميد الديب الذي سخر من غرفته وفقره والناس أجمعين


عبدالله ناجي: أثبتنا أننا نملك فن صياغة النكتة

التحولات في أي شعب، سواء كانت هذه التحولات اجتماعيةأو فكرية تنطبع على مخايل الأفراد والمجموعات،إذ عن طريق «المخيال الشعبي» يمكن الاقتراب من معاناة الشعب وتلمس حاجاته الأساسية التي يعبر عنها بعدة طرق،غير أن الطريقة الأكثر مساسا والتصاقا بالشعب هي النكتة السوداء ،ذلك لأنها غالبا ما تنطلق من الطبقة الأكثر عفوية وذلك يعني أصالة النكتة خيالا وواقعا
والملاحظ في الآونة الأخيرة تزايد واضـح في تداول النكت الساخرة لدينا في المجتمع السعودي صياغة وتصديرا، نكت تنبع من نسيج المجتمع وليست مستوردة من خارجه كما كان في السابق وخصوصا من لدن الشعب المصري، والمعروف أن هذا الشعب يمتلك قدرة وميزة في تكييف الأحداث بشتى تنوعاتها وصهرها في نكته الساخرة، غير أن الشعب السعودي أثبت بشكل كبير امتلاكه الأصيل لهذا الفن الساخر، وذلك يدفعنـا دفعا حثيثا لقبول أمرين متلازمين أولهما أن الشعب السعودي يمتلك في جيناته هذه الموهبة وهي الانطلاق على سجيته والتعبير عن معاناته عن طريق الضحك المر إن صح التعبير، والذي سيقودنا للأمر الثاني وهو لماذا تفجرت بشكل واضح جدا وفي هذا الوقت موهبة (النكتة السوداء) وصعدت إلى السطح


حسن النعمي: النكتـة نص جماعي يولد بطريقة عفوية

يبدو لي أن النكتة لون من ألوان السخرية، مجهولة النسب ،لكن مريديها هم كل من يروونها
هي نص مبدع قابل للتمدد والإضافة، نص شفاهي يقاوم التدوين، وتدوينها أسر لها
وفي نظري أن النكتة نص شعبي بامتياز يتداولها الجميع سواء النخب أوعامة الناس
هي نص ساخر نقدي لا يستسلم للقولبة إلا بالقدر الذي يسمح لها بترك بصمتها على بيئتها
الجميل في النكتـة أنها نص جماعي يولد بطريقة عفوية أو ردة فعل تجاه موقف أو حالة، لتدخل حيز التداول، ويساعد على تداولها ظروف البيئة الحاضنة، فكلما كان المجتمع في مظهره مناقضا لحقيقته الداخلية،حضرت النكتة بروحها المرحة الساخرة
وتـتدرج في موضوعاتها من الشخصي إلى الاجتماعي حتى تصل للموضوع السياسي، وهو أكثرها خضوعا للنقد
وبرغم أن النكتة حاضرة في مجتمعنا، فإن المراقبين دهشوا لثورة النكتة في المملكة قبل أربـع سنوات تقريبا، عندما خصصت إحدى شركات الاتصالات شهـرا للرسائل (msm) مجانا، فانهمرت سخرية المجتمع بشكل غير مسبوق، سخرية من نفسه، سخرية من أوضاعه المعيشية،وأبلغ ما تم رصده آخر نكتة على لسان شركة الاتصالات نفسها،وأخير أرى أن النكتة تعبير في بعض مستوياتها عن سخط اجتماعي من أوضاع اقتصادية، أو سوء خدمات