موقف المجتمع من الأفكار الضالّة.. وقفة تأمل
السبت، ٥ سبتمبر ٢٠١٥إن المتابع لتعاطي مجتمعنا - بشقيه الرسمي وغير الرسمي - مع ما نتعرض له من هجوم من قبل أصحاب الأفكار الضالة، ليجد العديد من الملاحظات والتي ساهمت في استمرارية هذه الهجمات ورواج الأفكار الباطلة لأصحابها، وسوف نذكر في عجالة بعض هذه الملاحظات مع ذكر بعض الأمثلة التي تؤكدها ثم سوف نذكر ما نراه من توصيات لتلافي هذه الملاحظات:
أولا: تحتاج هيئة كبار العلماء لموقف حازم عند التعاطي مع القضايا المعاصرة والجدلية، بحيث لا تسمح للعامة بالخوض فيها وخلق بيئة مناسبة لانتشار الأفكار الهدامة والضالة، ولنا في موضوع الحاكمية وتحكيم الشرع خير مثال، فلا تكاد تجد مؤَلفا واحدا أو ردودا علمية للهيئة أو لأحد أعضائها في شرح هذا الموضوع وإقفال باب التأويل فيه وتفنيد مزاعم مثيريه.
ثانيا: غياب الدور الفعال للجامعات في توعية الشعب وتهيئته للتعاطي مع مستجدات العصر، بل اكتفت بعض الجامعات بعقد بعض الندوات الشكلية ذات الزخم الإعلامي الكبير والمردود النفعي الضعيف، فأين الجامعات ودورها من توعية الشعب حول التعاطي مع وسائل التواصل الاجتماعي ومحاولة الاستفادة من إيجابياتها وتقليل سلبياتها ومخاطرها! وأين دورها في خلق مجتمع مدني يحترم الأنظمة والآداب العامة..بل أين دورها في وضع هذه الأنظمة!ثالثا: الغياب التام لوسائل الإعلام الرسمية عن واقع المجتمع مما أفقدها وزنها وتأثيرها.
رابعا: الدور السيئ لوسائل الإعلام غير الرسمية في نشر الفرقة والعصبية والعنصرية والطعن في ثوابت وقيم المجتمع مما يوفر بيئة صالحة لانتشار الأفكار الضالة.
خامسا: اختفاء صوت المثقفين والمفكرين في ضجيج الأصوات النشاز والتي تصدرت بفعل وسائل الإعلام، فلا تكاد تجد منبرا إعلاميا إلا وتجد أحد السفهاء يتحدث فيه تحت لقب خبير أو باحث، فتجد من كان محررا للأخبار الفنية أو الرياضية في بعض الصحف والمجلات يتحدث أحيانا في مسائل دينية لو سئل فيها عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر وتجده يتحدث في أمور سياسية تنعقد من أجلها المؤتمرات وتتعب في بحثها مراكز الدراسات وهو يشرق تارة وتارة يغرب مصداقا لمقولة من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
سادسا: استخدام الردود العاطفية والتحذيرية والمخالفة للمناهج العلمية في الردود والمناظرات نتيجة لضعف المتصدر للرد على أصحاب الأفكار الضالة وقلة بضاعته العلمية، بل إنه أحيانا يضطر للكذب والتدليس ليغطي على عجزه! وهذا يجعل موقف المخالف أقوى ويسمح له بترويج أفكاره الهدامة، فتجد من يزعم بأن أعضاء القاعدة أو داعش لا يصلون ويفعلون المنكرات ودليله على ذلك إما الانترنت أو ما يعرض في المسلسلات في مخالفة صريحة لأساسيات المناهج العلمية في النقد والمناظرات، مما يسهل عليهم الدفاع عن أنفسهم وعن أفكارهم بسبب ضعف حجة الزاعم ومخالفتها للواقع في أحيان كثيرة.
سابعا: تأخير محاكمة المقبوض عليهم من أصحاب هذه الأفكار.
وأخيرا: عدم وضوح الرؤية لدى أعضاء لجنة المناصحة بل قد يكون هناك عدم قناعة لدى البعض منهم حول مدى مخالفة المُناصَحين للمنهج الإسلامي، وكذلك الاعتماد على شهرة بعض أعضاء اللجنة والتي قد تكون أحيانا سببا في عدم تقبل المناصَحين لهذه اللجنة.
لعل فيما سبق كفاية لتوضيح الصورة ولجعل الجميع سواء المسؤولين أو المواطنين يبذلون الوسع في سبيل تلافي هذه الملاحظات من أجل الحفاظ على أمن الوطن ودحر كيد الكائدين.
وهذه بعض التوصيات التي نرى أنه سيكون لها مردود إيجابي لتلافي ما سبق ذكره من ملاحظات: أولا: الرد على أفكارهم المذكورة في أدبياتهم فقط وبيان الخطأ فيها من حيث الفهم أو طريقة الاستدلال حتى لا يكون لديهم مجال للتنصل من هذه الأفكار.
ثانيا: كل إنسان مسؤول عن تصرفاته «ولا تزر وازرة وزر أخرى» فلا ننسب الخطأ لغير الفاعل مثل ما يحصل من نسبة بعض الأعمال الإرهابية لحلقات تحفيظ القرآن أو لمناهج التعليم.
ثالثا: أن يكون الرد من أجل المصلحة العامة لا من أجل تحقيق مصالح شخصية كقيام بعض المحسوبين على التيار الليبرالي بانتقاد داعش والقاعدة من أجل الطعن في التيار الإسلامي أو كما يفعل بعض المحسوبين على التيار الإسلامي من انتقادهما من أجل نفي تهمة ارتباطهم بهذه الجماعات فتكون هذه الانتقادات والردود ضعيفة وغير مؤثرة بل قد يكون تأثيرها سلبيا.
رابعا: المصداقية في الانتقاد وعدم المبالغة أو المغالطة في وصف الفكر المخالف وأصحابه، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المخالفين فقد روى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَ سَمِعْتُ النَبِيَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَةِ قَوْمٌ تحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ يقرؤون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُم أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يمْرُقُونَ مِنَ الدِينِ مُرُوقَ السَهْمِ مِنَ الرَمِيَة..» فلو ذكر أنهم لا يصلون أو أنهم يفعلون المنكرات لما عرفهم الناس ولانتشر منهجهم بسبب انخداع الناس بصلاتهم وكثرة عبادتهم، ولكن الوصف الصادق لحالهم أبطل منهجهم.
خامسا: توضيح المعايير التي نحدد بموجبها هل هذا الفكر صحيح أم لا؟ وألا تخرج هذه المعايير عن كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وفهم السلف الصالح لما فيهما.
سادسا: الثبات على هذه المعايير وعدم الكيل بمكيالين في الحكم على الفكر المخالف وليس كما يفعل البعض من تغيير للمبادئ والمفاهيم بحسب تغير الأحوال أو بحسب رغبة المتابعين.
سابعا: إنزال الناس منازلهم وعدم تضخيمهم أو إضفاء القدسية عليهم، فلا نجعل من الأغبياء والسفهاء مشاهير ورموزا.
وأخيرا: إعادة تشكيل لجنة المناصحة وتطعيمها بخبراء في علم النفس والاجتماع وتطوير مهاراتهم في فن الإقناع والمفاوضات وإعادة تقييم برامج اللجنة للخروج بتوصيات تسهم في تطوير عملها.
وختاما نسأل الله أن يحفظ بلادنا وينعم عليها بنعمة الأمن والإيمان.