الأوقاف بين (النظارة) و(المؤسساتية)
الجمعة، ٤ سبتمبر ٢٠١٥
الرؤية المؤسساتية في شتى الممارسات الاقتصادية تجعل من نمط التعامل مع الممتلكات والأصول الثابتة تطلعا نحو النماء والوفرة والزيادة تحقيقا لما يأمله المستفيدون من عائد نفعيّ جراء انتمائهم لمن تتحقق فيهم أهلية الأخذ.
وخاصية البلاد المسلمة التي منحتها ريعا اقتصاديا ذا اعتراف وحثّ شرعي مكّنها خلال حقبة زمنية فائتة أن تكون رائدة عمل مؤسسات المجتمع المدني في الخدمة الاجتماعية المتمثّلة في نظريّة (الأوقاف) وما تحقق من خلالها من إنجازات يعرفها كل من اطلع على تاريخ البلاد الإسلامية.
نحن في وطننا وقد انتشرت الأوقاف ذات التاريخ وبدأ انتشار الأوقاف ذات الصبغة الخيريّة وحثت الدولة على جمع شتاتها في وزارة معنيّة بشأنها وحاولت جاهدة تنظيم وترتيب ما تصدّع من ظلاميات التعامل معها منعا للفساد وسوء التصرف وخوفا من ضياع الحقوق نجد أنفسنا في حاجة ماسّة لأن يلتفت الاقتصاديون وروّاد الأعمال وأهل التجارة والقانونيون والناشطون الاجتماعيون وأهل الفقه لأن تظهر على السطح بشكل ملموس نتائج دعم حكومتنا لهذا الجانب الركيز.
تفتقر كثير من الأوقاف التي تختص بأصناف معينة من الناس على سبيل العائلة أو الجهة أو الجغرافيا أو الوصف الاجتماعي لأدنى أساسيات النظام المؤسسي في التعاطي مع أصول التجارة ونظرية تنمية المال وقوانين البيع والشراء والإجارة.
والأصل الفكري الذي عليه تشريع الأوقاف هو بقاء الأصل والتصدق بالمنفعة ومثل هذا الهدف العظيم لا يتحقق إلا برعاية تحقيق بقاء الأصل بتنمية روافده لا بالأكل منه حتى ينتهي أو المحافظة عليه ليصبح يوما ما قديم النفع لا يسمن ولا يغني من جوع مستحقين.
والنقاش حول توزيع العوائد والاستحقاق ليس ذا بال هنا لأن صك الواقف وقراره في الأصل مبيّن لهذا الأمر ما عدا بعض الخلافات في التعبير التي يفصل فيها أهل الفقه والقضاء وإنما النقاش هو كيفية استغلال هذا الكم الهائل من الثروات المحبوسة في تنمية الاقتصاد المحلي ليكون الحظ الأوفر من الرخاء لمن استحقوا ريع تلك الأوقاف ولا يمنع ذلك من تحقيق أهداف ونتائج اجتماعية واقتصادية يطمح لها الوطن في عموم استراتيجياته وخططه طويلة المدى.
في كتب الفقه تأصيل لمبدأ اصطلح على تسميته (نظارة الوقف) بمعنى القائم عليه مستغلين معنى النظر الذي هو إعمال الفكر لتحصيل نتيجة معينة لا معنى النظر الذي هو مجرد الرؤية العابرة وذلك مدخل كبير أن يتمحور التجديد للعمل المؤسسي المتناسق مع معطيات العصر لتنشأ شركات ومؤسسات خاصة يكون موضوع خدمتها (نظارة الأوقاف) تتعاقد معها الأوقاف العاجزة عن هيكلة مؤسسية وقفية لوقفها لتحقيق نماء مادّي خلال مدة متوقعة يحقق ربحا للوقف وللمؤسسات الناظرة، لتكون فكرة كهذه ناشطة بجانب المشروعات الخدمية الخاصة بإدارة الأموال بعيدا عن زيف إدارة الأملاك التي يروّج لها بائعوها.
أمّا ترك الأوقاف تدار بالأسلوب القديم دون رؤية تجديد ولا تحسين ومتابعة مخرجات بشكل يناسب العصر الذي نحن فيه أو تسلميها لأطماع معقبين أضحوا في يوم وليلة من أرباب السفن ففي ذلك أثر بالغ على انتهاج الناس مستقبلا نهج أوقاف يثيب الله تعالى عليها كصدقة جارية.
من المهم جدا على (وزارة الأوقاف) أن تهتم باستقطاب الخبراء والمهنيين في المال والاقتصاد بما يحقق وجود مرجعية استشارية لأهل الأوقاف مبنية على أصول مهنية وعلمية حين تتكون منظومة عمل ذات كفاءة وفاعلية في الوزارة.