المناطق الحرة المصرية لم تحقق القيمة المضافة المرجوة

رغم بدء مصر منذ ما يزيد عن أربعة عقود تجاربها في المناطق الحرة، ونحو عقد ونصف العقد على المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، وبحسب تحليل للتجربة المصرية في المناطق الحرة، فإن مصر لم تجن ثمار هذه التجربة بالشكل المرجو منها.
ويرى تحليل للأناضول أن أي منطقة تجارة حرة في مصر، أو منطقة اقتصادية ذات طبيعة خاصة بها، لم تستطع أن تغير من محيطها الجغرافي، بتحقيق ازدهار اقتصادي، أو خلق روابط خلفية وأمامية للأنشطة الاقتصادية المحلية المجاورة لهذه المناطق.
دوافع إنشاء المناطق الحرة لا شك أن مصر في مطلع السبعينات من القرن العشرين، وبخاصة بعد حرب أكتوبر 1973، كان لديها رغبة عالية في الخروج من مشكلاتها الاقتصادية، ورأت حكومتها آنذاك أن المخرج في التوجه نحو اقتصادات السوق، والتخلي عن الدور الكبير للدولة في المقدرات الاقتصادية للبلاد.
وكانت التطلعات تتجه للاستفادة من الطفرة النفطية التي حققتها الدول العربية النفطية، وكذلك من بعض الدول الغربية، إلا أن تلك التطلعات لم تكن في محلها، حيث كانت هناك أمور سلبية أخرى لا بد من إزالتها، حتى يكون المناخ الاقتصادي المصري مغريا للمستثمرين العرب والأجانب.
أما تجربة المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، فقد كان الدافع خلفها، محاولة الحكومة المصرية في ذلك التوقيت اللحاق بقطار العولمة الاقتصادية، التي أغرت العديد من الدول النامية بحلم الثراء والتقدم الاقتصادي، وما ساعد على توجه مصر نحو هذا النوع من المناطق، هي حالة النجاح من وجهة نظر البعض لتجربة جبل علي، في دبي بدولة الإمارات، وكذلك التجربة السنغافورية.
تقييم التجربة وفي تقييم لتجربة المناطق الحرة، أو المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، ترى الدراسات أنها تحولت إلى مجرد أعمال التخزين، دون الدخول في أنشطة صناعية، تحقق قيمة مضافة على الأراضي المصرية، وكذلك الاستفادة من الإعفاءات الضريبية التي منحتها القوانين المنظمة لعمل هذه المناطق، حيث اتجهت العديد من الشركات القائمة في داخل باقي مدن المحافظات المصرية، بتغيير شكلها القانوني لتكون إحدى شركات هذه المناطق، وأن باقي مؤسساتها خارج المنطقة مجرد فروع لها، لكي تحصل على المزايا الممنوحة ضرائبيا وإداريا، وبالتالي فاتت الفرصة على مصر من تحقيق هدف هذه المناطق.
كما لم تتجه هذه التجارب للمناطق الحرة، والمناطق ذات الطبيعة الخاصة، إلى زيادة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر، فالثابت من خلال الإحصاءات الحكومية المصرية أن أكثر من 75% من الاستثمارات الأجنبية تأتي في إطار نشاط استخراج النفط، وكذلك في إطار برنامج الخصخصة، الذي نشط بشكل كبير خلال الفترة 1995 - 2005.
ضعف الاستثمارات الأجنبية وحسب دراسة أُجريت من قبل مركز بحوث البنك الأهلي المصري في عام 2004، وُجد أن رؤوس أموال الشركات المصرية داخل المناطق الحرة يفوق رؤوس الأموال العربية والأجنبية، وأنه في بعض السنوات يصل إلى 75%.
وبالنظر إلى حجم الصادرات المصرية نجد أنه يدور ما بين 24 - 28 مليار دولار، في أحسن الأحوال، وهو رقم شديد التواضع مقارنة بدول أخرى، وحسب تصريحات وزير الاستثمار المصري، أشرف سالمان، فإن المناطق الحرة تساهم بنسبة 25% من حجم الصادرات المصرية.
وعند تقويم دور هذه المناطق الاقتصادية في التجارة الخارجية لمصر، يلاحظ أن وجودها سواء الحرة أو ذات الطبيعة الخاصة، لم يعمل على تقليل حجم الواردات المصرية على مدار السنوات الماضية، مما يعني أن دور هذه المنطقة الحرة، محدود الأثر.
متطلبات النجاح ما زالت مشكلة الاقتصاد المصري الرئيسة تتمثل في قلة الإنتاج، وزيادة معدلات الاستهلاك، وقد لوحظ على مدار الفترة الماضية أن معظم المساهمات الأجنبية في مجال الاستثمارات تركز على الأنشطة الريعية أو الاستخراجية، أو الأنشطة الإنتاجية ذات القيمة المضافة الضعيفة، والدليل على ذلك تصريح وزير الاستثمار المصري مؤخرا، بأن 75% من صادرات الملابس الجاهزة في مصر تخرج من المناطق الحرة.
وبالتالي لا بد من التركيز على تلافي سلبيات التجارب السابقة، بحيث لا تعتمد مشروعات الأجانب بهذه المناطق على التمويل المحلي، وأن تستجلب كامل رؤوس أموالها واستثماراتها من الخارج، وأن تتجه للأنشطة الإنتاجية، وأن تعتمد على توفير الجزء الأكبر من مستلزمات إنتاجها من السوق المصرية، وأن تعمل عل توطين تكنولوجيا جديدة داخل مصر.
إن بعض الدول الخليجية تصوب سهام أنشطتها إلى منطقة القناة لتكون بمثابة منطقة خدمات لوجستية وترانزيت، وهي أنشطة مطلوبة ولكنها لا تستوعب العدد الكافي من قوة العمل المصرية التي تتزايد بمعدلات مخيفة على مدار الفترة الماضية، ومن المفيد لمصر أن تمتلك أجندة وطنية لمشروع التنمية، وأن تحسن توظيف أنشطة المناطق الحرة، والمناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة.