حوار مؤلم عن أزمة النفط

يتجادلون.. ويقلقون.. ويُحلِّلون.. وكأنهم لا يعلمون أن الخطر الأكبر ليس الانخفاض الحالي في سعر النفط، بل الاستغناء عنه من أجل طاقة بديلة عن النفط التقليدي، إضافة لما هو معلوم من أن النفط مصدر ناضب حتى لو فشلت جميع المحاولات في اكتشاف الطاقة البديلة. بعد عمر طويل من الرفاه والحياة الرغيدة، سيستغني العالم عن النفط التقليدي، أو سينضب هذا النفط.. هل نشك في ذلك؟!
إن عمر النفط مهما طال أقصر من عمر الإنسان الذي يتجدد بأجياله القادمة، ومن تلك الأجيال جاءنا هذا الصوت وهو يعاني الغبن والمرض والفاقة، ويعاني من شماتة الأعداء، ويستذكر أيام آبائه وأجداده البالغة في الترف والنعيم. ويتساءل.. لماذا ضيَّعَنا آباؤنا وأجدادُنا؟! هل كانوا يجهلون أنهم يتعاملون مع مصدر ناضب؟! هل كانوا يجهلون أن الشركات ومراكز الأبحاث حول العالم تجهد وتدأب في الاستغناء عنهم وعن نفطهم؟! ماذا كان يشغلهم وهم في حياة آمنة، وعيشة فارهة؟! هل كانوا يجهلون أن الإنسان الذي سيعيش بعد النفط هو ابنهم ويحمل اسمهم؟!
من أجل أبنائنا وبناتنا وفلذات أكبادنا يجب أن نملَّ من جدالات السيارة والمرأة وأخواتها، التي لن تُطعِم الأجيال القادمة لقمة خبز، وستزيدهم حسرة إلى حسرتهم. من أجل الأجيال القادمة يجب أن تتوقف مزايين الإبل وأخواتها وأن تتوجه هذه القبائل الشريفة إلى تحديات المستقبل، والاستعداد لكافة الاحتمالات. من أجل أصدقائنا وأعدائنا يجب أن نستعد للاستغناء عن النفط قبل أن يستغني عنه الآخرون. إن أكثر أموالنا تذهب للمشاريع، ولكن يا للأسف يذهب كثير من هذه المشاريع ضحية للتعثر والبيروقراطية والفساد المالي.
وما لم نتعامل مع (الفساد) كما نتعامل مع (الإرهاب) فإننا لن نعثر على حلّ ينقذ مشاريعنا ومستقبلنا. ونحن في أمس الحاجة للمشاريع التي تبني الوطن وتستعد للمستقبل؛ ببناء الاقتصاد والنجاح المعتمِد على الله ثم على تفوق الإنسان وليس على سعر النفط ووفرته. إن انخفاض سعر النفط فرصة لأن نتذكر الحقائق ونستعد لها، وهو فرصة لأن نبني مشروعا طموحا تقوده الحكومة بوزرائها ويشارك فيه الشعب بكفاءاته.. رغبة في التحرر من رقّ النفط ووهمه ومخاطره. النفط نعمة عظيمة لمن تعامل معه كمحطة عابرة في طريق طويل، وهو نقمة لمن ركن إليه واعتمد عليه وتوهم أنه حياة دائمة. والمشاريع الطموحة التي تبدأ وقت الغنى هي الأحظ بالنجاح، أما إذا ارتبك الاقتصاد فإن المحاولة حينها ستكون في الوقت الضائع. إن الجدال في انخفاض السعر الحالي والانشغال بتحليل أسبابه الاقتصادية وأغراضه السياسية، والتساؤل عن تأثير هذا الانخفاض على موازناتنا الحالية، والبحث عن حدود هذه الأزمة.. ما هو إلا ممارسة مكرورة للنظر في أرنبة الأنف! متى سنملّ من هذا النظر ونرفع أبصارنا تلقاء وجوهنا، ونحوّل الأزمة إلى فرصة، ونحوّل القلق إلى خطة طموحة تجمع الهمم والطاقات نحو رؤية واضحة.