عار التصنيع

منذ أن عرفنا أن بلدنا الصحراوي يسبح فوق بحر من البترول، أيقنا أن مصير شعبنا للتصنيع.
وبادرت الحكومة بتأصيل ذلك المفهوم بيننا اجتماعيا وتربويًا، وتعليميًا، ومهنيًا، بتدعيم التعليم بما يخص ذلك المجال، وكان عدد المعاهد والكليات الصناعية بيننا أكبر وأشمل من بقية التخصصات.
وقد رافق ذلك حضارة ونهضة بناء عديد من المصانع الصغيرة والكبيرة ليتمكن خريجو تلك التخصصات من مزاولة مهنهم، وتنمية قدراتهم الفنية وعلومهم وإنجازاتهم.
صحيح، لقد استلزم الأمر في البداية استقدام الخبراء العالميين لمساعدة أبناء الوطن في تسيير عملية التصنيع، ولكن سرعان ما رحلوا، بعد أن لم يجدوا لهم مكانًا بين نبوغ أبناء الوطن، الذين لم يتركوا مجالًا إلا وشغلوه في المصانع العملاقة من أدنى الوظائف، وحتى أعظمها.
لقد أصبح العالم بأسره يضرب المثل بنا، وينبهر من انضباطنا، ومن قدرتنا على التصنيع، والتطوير من ذاتنا، حتى أصبحنا مدرسة للتقنية يُبتعث إليها طلاب العلم من أصقاع العالم ليحتكوا بأبناء وطننا ويتلقوا على أيدينا التعليم، والتدريب، وبلوغ ما لا تحلم به البشرية من التفوق والإبداع.
لقد زال العار من انخراط أبنائنا في المهنية، وقد بنينا متاحف لبعض عاداتنا وتقاليدنا البالية، فلا يوجد بيننا من يتشدق بعار التصنيع، بل لقد أصبح من لا يعمل به عالة على الوطن، فلا يُقدم في مجلس، ولا محفل مهما كان اسم عائلته، ومهما بلغ ثراؤه.
ومن فخر أن مصانعنا الآلية المتحولة المتجددة، أصبحت هدفًا أسمى لكل أمة، باعتبارها ترتقي بنوع البشر، وتجعلنا في قمم التجمعات الإنسانية، وتبهر الخلق بما نتميز به عنهم من فكر وإبداع.
نعم، فنحن لم نترك البراميل تحتوينا، ولكنا احتوينا الأرض والسماء بعقولنا، وسواعدنا، التي ظلت تبني وتتقدم، فلا نمارس حوارًا سقيمًا، ولا نتبنى ولا ننشر البدع والأفكار الضالة، ولا نجعل أبناءنا عقولًا خاوية، لاهثة خلف الدراهم، ولا تجد بيننا تخبطا، ولا نقدم أبناءنا ضحايا لكل معترك سياسي في العالم، بدواعي الدين والمذهب.
لقد أصبحنا رعاة للسلام، وأعداء للكره والحقد والتعتيم.
سواعدنا هي ما ينشر، ويبني، ويطرق، ومن يلحم النقاط الكهربائية، ومن يدمج نقاط الالكترونيات، ويطورها، ومن يخترع الروبوت، ويسير الطائرات والسفن، ويحلق في الفضاء الخارجي، ومن يبهر العالم بكشوف جديدة في الأكوان.
لقد هيمنا على علوم واقتصاد العالم وتجارته وصناعاته، ولم نضر البيئة والطقس، وتركنا لغيرنا المزايين، والهوامير، والمهايط، والنزاهة، والفتاوى، والمناصحة، والعنصرية، والمذهبية، والتغريد، وسرنا في سبيلنا نحو الأعالي.
حضارتنا الصناعية هي ما ميزنا عن الشعوب الكسولة المتخلفة.
على فكرة؛ كانت تلك خواطر يكتبها مبتعث سعودي في حصة التعبير، وهو محبط بتناقض واقعه القديم والجديد في الغربة، وبأفكار وعادات وضغوط مجتمعه العنصرية، الرافضة للتقدم، والمتشددة، وحيرته من إعلام متناقض، وخوفه من الرضوخ لفكرة تفجير نفسه عند أقرب منحنى فكري.