استشراء العمليات الانتحارية
الخميس، ٦ فبراير ٢٠١٤
تثير العمليات الانتحارية التي تصاعدت مؤخرا في خريطة واسعة من العالم الإسلامي شملت الصومال مرورا بالعراق ثم سوريا إلى لبنان وصولا إلى باكستان، عاصفة من التساؤلات بشأن مغزى وطبيعة هذا النوع من العمليات البشعة التي تستهين بقيمة الحياة التي أكدت على صيانتها كافة الشرائع السماوية
بل إن إدراك جدوى مثل هذه العمليات يستعصي على كل صاحب فطرة سليمة
لقد أصبح هذا النوع من عمليات القتل الجماعي سمة ملازمة لكثير من الحركات المتطرفة التي تلعب على «معادلة الدين والسياسة» وتدعي زورا الجهاد في كثير من البؤر الساخنة في باكستان والعراق وأفغانستان، على سبيل المثال
وحينما تختلف هذه الحركات مع الغير تصبح كل وسيلة مباحة بزعمهم «للقضاء على عدوهم» المتوهم
وما يجري في العراق وباكستان من تصعيد أمني وتقتيل بالعشرات، وصل ذروته خلال الأيام الماضية، ويكاد المشهد الكلي في البلدين أن يتحول إلى مسرح عبث دموي
الشاهد أن جرثومة العنف وصلت إلى داخل التنظيمات المتطرفة التي تزعم تبني منهج الإسلام فيما بينها
ففي سورية نفذ عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام المعروفة باسم داعش الأسبوع الماضي هجوما انتحاريا مستهدفا جماعة منافسة أخرى ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من عناصرها
إن خطورة مثل هذه العمليات الانتحارية التي لا تفرق بين أحد، أنها تجد سندا تأصيليا من بعض ضعاف النفوس أدعياء العلم الشرعي
بل إنهم يعتبرون سقوط ضحايا غير مقصودين تصادف وجودهم في مكان الهجوم عبارة عن «أضرار مصاحبة»، متناسين عمدا أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا
ولعل من المؤسف أن نلاحظ أن رد فعل العلماء المسلمين تجاه العمليات الانتحارية، التي ينفذها من يدعي الانتماء للإسلام ضد مسلمين، لم يكن بالقوة المطلوبة وذلك بالمقارنة مع ردود الفعل الجارفة تجاه قضايا أخرى تتعلق بكتاب أو رسامي كاركاتير أساؤوا للإسلام
ولقد كانت فتوى الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة والتي بين فيها الرأي الشرعي حول الانتحار واضحة وجلية لكل ذي بصيرة
فقد أكد قبل سنوات أن «قضايا الانتحارِ جاء الإسلام بضدِّها، ولا يقدم عليها من في قَلبِه إيمان وهي من علاماتِ سوءِ الخاتمة، أي أنَّ الذي يقتل نفسَه يدلّ على أنه خُتِم له بشرّ هؤلاء المنتحِرون يَرونَ هذا الانتحارَ تخلُّصا أو يعدُّه بعضُهم شجاعة كلّ هذا من تحسين الشيطان، كلّ هذا من الضّلال»
إن من أنجع آليات مواجهة هذه العمليات المدمرة أن يتصدى العلماء لدورهم وأن يوضحوا بشكل صريح لا يحتمل التأويل حرمة سفك أرواح الأبرياء المعصومة دماؤهم، لأن ضعف الإنكار يعتبر تراخيا ويغري مثل هذه الجماعات والمنتسبين لها بل وحتى المتعاطفين معها على نشر ثقافة الموت الجماعي
وفي الوقت نفسه يجب التصدي بكل قوة للذين يقفون من وراء هؤلاء القتلة ويعملون على شرعنة عملياتهم الانتحارية وإكسابها زورا ثوب الدين
وبدون شك فإن الذين يوفرون الغطاء الشرعي لمثل هذه العمليات المخالفة لروح ونصوص الدين، هم أخطر من الانتحاريين أنفسهم