الموسيقى في فنجان

أول ما يسترعي انتباهك عند الحديث مع الويلزيين، هي تلك الموسيقى التي تخرج من أفواههم
كانت صاحبة المطعم (الكوخ) الذي توقفنا به، أنا وبعض الأصدقاء، تتحدث إليّ بإنجليزية سليمة صافية، ولكن بلكنة ذات موسيقى بديعة لا تعرفها في مكان آخر من بريطانيا
تذكرت شاعرا من شعرائي المفضلين، ديلان توماس، الويلزي الذي كان، ربما، الأشهر في بريطانيا بعد رحيل أودن إلى أمريكا وموت إيليوت
تذكرت قصيدته البديعة «ولا يجب أن يكون للموت سلطان»، بموسيقيتها وعذوبتها في التو واللحظة
كانت جميلة وزرقاء العينين، وذات شعر أسود فاحم، وهي الصفة المنتشرة بين الويلزيات، ولا عجب إذا ما تذكرت الشكل المميز للنجمة الويلزية كاترين زيتا جونز
كنت أقول لنفسي إن التخيل بكون الويلزيات ذوات سمة جسدية معينة قد تكون بنفس سذاجة تخيل الألمان باعتبارهم شقرا فحسب، ولكنني، ولا بد أن أعترف، صدمت بمدى انتشار الشعر الداكن بينهن
جلسنا لنتناول الطعام التقليدي في الجزر البريطانية، البطاطس في الفرن بأنواعها
تناولنا طعاما شهيا بما لا يقاس وحيتنا السيدة الويلزية ذات اللكنة العذبة بلطف شديد، وعبرنا عند خروجنا زاوية بجوار الكوخ، قبع فيها محبو مراقبة الطيور البرية
رجعنا لرحلتنا مرة أخرى: كنت في عربة حديثة، تمشي بنا في أرجاء ويلز، بينما يشير الصديق الإنجليزي بأريحية إلى نقاط عديدة في الطريق، ويسير بسلاسة -ساعدته فيها العربة الألمانية الرشيقة- فوق مدق جبلي قال إن الرومان هم منشئوه الأصليون
كان المدق شديد الضيق على وهاد شديدة الانحدار، فحاولت دفع قلق طفولي استبد بي بتأمل الجمال المحيط بي، وأكثر من هذا، بتأمل لوحات الطريق المكتوبة بالإنجليزية والويلزية
طفقت أتأمل اللغة الكلتية القديمة، المزدحمة بحروف الإل والدبليو والجي والواي، بتراكيبها غير المعتادة لعيني التي ألفت الإنجليزية: اللامان وراء بعضهما في بداية الكلمات، أو الدالان في نهايتها
يمكنك أن ترى هذا مثلا في اسم رئيس الوزراء البريطاني الشهير لويد جورج: هو الويلزي الوحيد الذي تولى قيادة المملكة المتحدة، والوحيد الذي كانت الإنجليزية هي لغته الثانية، ليس هذا فحسب، فقد قادها للفوز على ألمانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى، وكان الأب الحقيقي لما نعرفه بـ»دولة الرفاة»، والليبرالي الأخير في رئاسة وزراء الأمبراطورية، إذ انتهي الحزب الليبرالي بانشقاق مجموعة من غلاة اليمينيين ليكونوا حزب المحافظين، وانضم بعضهم للحزب الجديد، الذي كان على موعد مع القدر لاحقا، حزب العمال الاشتراكي البريطاني
هذه قصة تماثل السياسة في ويلز، الذي يتقلد ولي عرش بريطانيا، لقب أميرها تقليد مقدس، فبعد ازدهار الليبرالية وتأثير لويد جورج، عرفت البلاد ميلا اشتراكيا أكبر، فيما يبدو كتقلب اعتادت عليه ويلز في أحوالها، فقد تحولت من منطقة صناعية كبيرة- خاصة مناجم فحمها في الجنوب- إلى أرض جل ريعها السنوي يأتي من السياحة والخدمات والقطاع العام
يستقر أغلب الثلاثة ملايين من السكان في الجنوب كنتيجة طبيعية للسياق التاريخي، في كارديف العاصمة، وسوانسي ونيو بورت
وكما يسمي العرب اليابان بهذا الاسم بينما يسميها أهلها نيبون، فقد كان الاسم ويلز هو الاسم الذي أطلقه الغزاة الجرمانيون، الأنجلوساكسون تحديدا، على هذه المنطقة التي يقطنها السكان الأصليون من البريتون، والبريتون عامة في كل أنحاء ما يعرف بالمملكة المتحدة الآن، ومنها شمال اسكتلندا، وهو بدوره منسوب لقبيلة شهيرة من قبائل الكلت التي حاربها الرومان واسمها فولكي (وتراعى هنا علاقة الإبدال ما بين حرفي الواو والفاء)، وكان طريفا بالنسبة لي أن أعرف أن لقب الكونت فلاد الذي حارب العثمانيين بكل شراسة في رومانيا - حتى كان الأصل للكونت دراكيولا مصاص الدماء- هو الولاشي، وهو ذات الاسم الذي نتناوله بالذكر الآن، باعتبار أن الكلت كانوا يقطنون هذه المنطقة
اما الاسم الذي يفضل الويلزيون إطلاقه على بلادهم فهو كمري، وكما أخبرني الرفاق من الويلزيين خلال رحلتنا الطويلة في أرجائها، ففي لغتهم الكلتية القديمة يعني هذا الاسم «الرفاق الفلاحون»، وهو الاسم الذي أطلقه البريتون على أنفسهم بعد انسحاب الاحتلال الروماني لبلادهم في القرن الخامس الميلادي، وتأكد استخدامه في القرون الوسطى، وحافظوا تحته على استقلالهم قبل هزيمة ملكهم للولن الأخير على يد الملك الإنجليزي إدوارد الأول في 1282، لتضم بعد ذلك إلى بريطانيا كما نعرفها، باستثناء فترة وجيزة من الاستقلال على يد أوين جليندور في بداية القرن الخامس عشر الميلادي، لتضم نهائيا لبريطانيا وتطبق عليها القوانين الإنجليزية في مرسوم القانون في ويلز بين عامي 1535 - 1542
ولكن حافظ الويلزيون على استقلالهم الثقافي ولغتهم قدر ما استطاعوا (هناك قرابة النصف مليون من متحدثي الويلزية كلغة أولى حتى هذه اللحظة)، وترجم ذلك في شكل سياسي، فقد تكوّن الحزب الويلزي، وهو الحزب الذي يكافح للاستقلال عن بريطانيا، في العام 1925، وتكون مجمع اللغة الولزية في العام 1962، ثم وصل الأمر لقانون حكم ويلز في العام 1998، حيث تم بمقتضاه إنشاء الجمعية الوطنية (البرلمان) لويلز، والذي يتولى الشؤون المحلية فيها
كنت على بعد يسير حيث نتجه في ويلز، من بقعة خلابة ومتفردة، ولكن هذه قصة أخرى، سنعرفها الاسبوع المقبل بمشيئة الله