حاجتنا إلى فقه الممكن والمتاح

طلبة العلم اليوم بحاجة ماسة إلى دورات مكثفة في تعلُّم فقه الممكن والمتاح، وفقه الدعوة والإصلاح المتدرج الواعي.
إنه وبسبب إهمال هذا الفقه خَسِرَت الدَّعوة أكثر مما ربحت، وربما تسبب بعض الدعاة في جرِّ البلاد والعباد إلى فوضى واضطراب كبير.
إنّ بعض الناس اليوم يرفضون فقه الممكن والصبر على بعض المنكرات ظناً منهم أنه يمثِّل نوعاً من التنازل وتطويع أحكام الإسلام بما يلائم حضارة الغَرب وقيَمه حسب ظنهم.
بيد أنّ الأمر بعيد كل البعد عن ظنهم هذا، فهذا اللون من الفقه: فقهٌ إسلاميٌّ أصيل، ونحن عندما نراجع حوادث السيرة النبوية نجدها تؤكد على ضرورة مراعاة فقه الممكن والصبر على بعض المفاسد حتى ولو أفضى ذلك إلى ترك بعض الواجبات في بعض الظروف، أو اختيار أخفّ الضررين، أو تقديم ما هو سيِّئٌ على ما هو أسوأ، من باب قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا).
ونبينا صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يراعي هذا الأمر، انظر مثلاً إلى موقفه في قصة صلح الحديبية، وكيف وافق على بعض شروط قريش، والتي كانت في مصلحة قريش، مقابل مصالح أهم وأعظم كان ينظر إليها في المستقبل البعيد.
والرواة يتحدثون بأن الضيق كان قد استبد بنفوس عامة الصحابة بسبب هذه الشروط، ورأوا أنها مجحفة بحقهم، خاصة ذلك الشرط الذي يقول: مَن أتى محمّداً مسْلماً من قريش ردّه عليهم، ومَن أتى قريشاً ممن مع محمّد لم يردّوه عليه. حتى إنَّ عمر بن الخطاب، وهو من هو في فقهه وعلمه، استشكل ذلك، وقال للنبي كما في الصحيحين: «ألستَ رسولَ الله حقاً!
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: بلى.
فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل.
فقال النبي: بلى.
فقال عمر: فعلامَ نُعطي الدَّنيَّـة في ديننا»!
هكذا كان عمر ينظر للمسألة، لكنه كان ينظر إليها من زاوية أوسع وأعمق، فقَبِل بهذه الشروط، لأنه كان ينظر إلى نتائجها البعيدة الطيبة، وكان يُحسن تعاطي سياسة فقه الدعوة، في ظل شُحِّ الموارد وقلة الخيارات.
وبالفعل فقد ساعد صلح الحديبية في تمدد الإسلام وانتشاره بكثافة بعد ذلك في كافة أرجاء الجزيرة العربية، حتى إن الذين أسلموا بعد صلح الحديبية وهي سنتان فقط كانوا أضعاف من أسلموا قبله في ستة عشر عاماً.
والفضل يعود في هذا إلى حالة الهدوء والاستقرار التي أتاحت للناس أن يقترب بعضهم من بعض، ويتفاوضوا في الحديث، فأصبح كما يقول الإمام ابن شهاب الزهري: (لا يُكلم عاقلٌ بالإسلام إلا دخل فيه)، حتى إن القرآن الكريم سمى صلح الحديبية بالفتح المبين... وللحديث بقية ومزيد من التوضيح.