الفخ الأخير

أحد كبار المجاهدين العرب في أفغانستان اعترف وبكل شجاعة أن الجهاد الأفغاني كان لعبة غربية من أوله إلى آخره
ولكن هذا الاعتراف جاء متأخرا جدا، وفهم ما يدور هناك جاء بعد قتل ما يزيد على مليون ونصف أفغاني، وما زالت الدماء تسيل إلى الآن
وفي أفغانستان نشأت القاعدة وتنامى الإرهاب والتكفير اللذان نشآ في مصر والجزائر والأردن وغيرها قبل ذلك، ومنها انطلقت العمليات الإرهابية ضد العالم كله مسلمين وغير مسلمين مدنيين وغير مدنيين
وتساءل العالم: هل هذه الجماعات جاءت إفرازا للأحداث الأفغانية وانقلب السحر على الساحر كما يقال؟ أم أن الغرب فتح المجال لهذه الجماعات الهمجية كي يحقق أهدافا لا يمكنه تحقيقها إلا من خلالها؟والجواب هو أن كلا الأمرين حق، فهي إفراز طبيعي لما حدث في أفغانستان وأكثر من ذلك أن الغرب استغل هذه الجماعات بطريقة أذكى من أن تكتشف إلا بعد أن تذهب الأمور إلى غير رجعة
ولن آتي بجديد إذا قلت إن الغرب والدول الكبرى استخدمت هذه التنظيمات ذريعة لغزو العالم الإسلامي مرة أخرى تحت مبررات كثيرة وعناوين إنسانية
واستخدمتها أداة لإسقاط حكومات، واتخذتها بعبعا تخوف به الخارجين عن سياستها كما تفعله الآن
الإرهابيون لا يعلمون ولن يدركوا أن خطة بدايتهم ونهايتهم مرسومة، قد تتخلف عن التوقيتات المحددة قليلا ولكنها في حيز التحكم في نهاية الأمر
وجود القاعدة والجماعات التكفيرية في شكلها الأخير موزعة في العالم ليس اعتباطا بل كل وجود لهم في بلد تتبعه مصلحة غربية، انظر إلى مالي والتدخل الفرنسي مثالا، وانظر إلى العراق والضغط على المجتمع العراقي بكل أطيافه
وانظر إلى اليمن ودور القاعدة الطليعي في تفكيك البلاد
إلا أن أخطر ما تواجهه الحركات التكفيرية وما تسمى بالجهادية الآن هو ما يحدث في سوريا وأستطيع أن أسميه الفخ الأخير لهذه المجموعات وإليكم الدليل
بعد أن فتحت الدول حدودها لتدفق المقاتلين إلى سوريا واجتمعوا بعشرات الآلاف وعاثوا في سوريا الفساد لإسقاط نظام بشار، كانوا يقاتلون بالوكالة عن أمريكا والدول الغربية فلما فشلوا في إسقاط النظام السوري المدعوم من إيران والروس والصين، أبدت أمريكا نيتها بضرب النظام السوري كي تصل إلى هدفها الأصلي من إقامة هذه الحرب وهو تأمين إسرائيل من الجبهة السورية الإيرانية، ونزع أنياب النظام السوري المتمثل في الأسلحة الكيماوية، والوصول إلى اتفاق نهائي فيما يخص البرنامج النووي الإيراني
وذلك بعد إنهاك الجيش السوري وإعادته إلى نقطة الصفر
وعندما حصلت أمريكا على ضمانات حول هذه القضايا التي يدخل فيها حزب الله بالتضمين، في خلال أسبوعين بدأت المعادلة تتغير على الأرض تجاه الجماعات المقاتلة التكفيرية
فنرى تركيا تتنصل من مسؤولياتها في هذا الجانب وتبحث عن جسور جديدة مع النظام السوري، وقامت الحكومة العراقية بحملة أمنية شاملة كانت منتظرة منها منذ سنوات مضت أو كانت ممنوعة عنها ثم وجدت الإشارة بذلك، وكان النظام المصري الجديد قد قام بإصلاح ما فسد من العلاقة مع النظام السوري، وبدأت الفتنة بين هذه الجماعات وكأنها تحرك بضغطة مفتاح تحكم بشكل لا يخفى إلا على هذه الجماعات ومن في جوها وفلكها
قلت يوما لأحد المتحمسين لهذه الجماعات قبل عام من الآن: متى يفقه هؤلاء أنهم لعبة أممية تدار من قبل أصحاب الأهداف التوسعية؟ أما يكفيهم ما حدث لهم في أفغانستان والجزائر والعراق والشيشان وغيرها؟إنني على شبه يقين من أن هذا هو الفخ الأكبر والأخير لمن تجمعوا في سوريا من أقطار الأرض لتتحقق بهم أهداف كثيرة واستراتيجية، ثم تكون نهايتهم مأساوية وقد بدأت بأيديهم، وسيقتلون بأيدي الآخرين