القصير قدام.. والطويل ورا
الجمعة، ٣ أبريل ٢٠١٥
سمعتُ من أحدهم أن الزّمن أصبح زمن (فَرْز)، ولم تغب هذه الكلمة عن بالي حتّى استدعاها تفكيري حين تابعتُ مقطعا لأحد أفلام أحمد حلمي، حيث قال لمجموعة: الطّويل قُدَام والقُصيَّر وَرَا.. مشيرا إلى فرز وتصنيف من نوع خاص ليتمكّن بسهولة من تحديد العلامات الفارقة بين ما يريد وما لا يريد.
هذه العلاقة تبدو وطيدة ومهمّة جدّا بين الفرز والقاعدة أنّ صغائر الأشياء لا بدّ أن تكون قريبة من العين بينما الكبيرة والأعظم حجما تأتي خلفها في تدرّج فرَضته الطبيعة الإنسانيّة التي تحبّ السيطرة على كلّ بعثرة عفوية في هذه الدنيا رغم ما فيها من جمال ورسالة لا يمكن أن نفهما إلا.. والطّويل قُدام والقَصير وَرَا..
فلا فَرْز إلا وله معيار ليؤدّي غرضا تبسيطا لغموض تشابك الأمور وتعقيد الخلط بين المتشابهات أو المتنافرات من الموجودات والرؤى والقضايا، ولا تصنيف أيضا إلا وهو يحقق اختصارا لمسافات وأوقات كبيرة من البحث والتفتيش، ليُغتنم الزمن المستفاد في راحة أو فيما هو أهمّ حسب وجهة نظر من يفرز..
والذي يُزعجُ في مجال الفرز ليس كثرة الأشياء التي تحتاج لفرز أو تصنيف أو إعادة هيكلة في نسق يُرضي الناظرين ويتماشى مع الموضة والعصر الحديث، بل الأكثر إزعاجا هو أن تكون المعايير التي بها يحصل الفرز والتقسيم أكثر من الإحصاء والعَد لنفس الأشياء المحصورة التي استُهْلِكَتْ من كثرة تعرضها لهذه العمليات القيصريّة التي ترهّلَتْ لها البطون وهرمتْ منها الأبدان..
والباحث لكثير من المعلومات عن بلد ما، سيجد فرزا عرقيا وتصنيفا طبقيّا وتوزيعا اجتماعيا في مشوار طويل لن يخرج منه إلا بشيء واحد، أنّ المقصود بذلك حُبّ السيطرة على المعلومة ووضعها في قالب ابتدعه من جمع تلك المعلومات أو من قام بعمليّة فصل توأمتها دون أن تحتاج هي لهذا الكرم الحاتمي في الفرز والتقسيم..
يقال إنّ جامعتنا العربية في تاريخها دخلت في نقاش حادّ قديما حول ترتيب الدول على جدول الأعمال أو الاستضافة أو مقاعد الجلوس على الطاولة غير المستديرة ولم يخرج المؤتمرون بحل يرضي جميع الأطراف، فلا تاريخ الاستقلال أرضى أحدا ولا تاريخ الانضمام للجامعة راق لأحد حتى احتكموا للترتيب الأبجدي في فرز رضخ له الجميع تعَبا لا اقتناعا..
وبالعودة لفلسفة المعلمين القديمة في مدارسنا العربيّة أثناء الطابور الصباحي أو الخروج من الفصل بأنّ الطويل قُدام والقَصير وَرَا.. لم تورِثْ هذه النمطيّة في الأطفال والتلاميذ سوى مزيد من سوء الحالة النفسيّة وتسخير تربة صالحة للعداء الطفولي نحو الأقران، فكم من طفل شعر بالكبر والدلال لأنه في الأمام رغم قصره، وكم من طفلة شعرت بالاكتئاب والخجل لأنها في الخلف رغم طولها، وكم من طلاب ضاعوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لأنهم في المنتصف مرة لجهة الأمام ومرة لجهة الخلف حسب امتداد المسطرة التي يحبّها المدرس..
نحنُ لا نُحَوِّرُ الجَمادات ليستفيدَ منها الإنسان، ولا نُجهّز الفصل والقاعات ليستفيد منها الطالب دون أن نُجبره على أنّ الطويل هنا والقصير هناك، والنحيف أمام والبدين في الرّكن، والأبيض عند الشبّاك والأسمر في المنتصف والأسود بجانب الباب، ونحن أيضا لا يحلو لنا الفرز والتقسيم إلا عندما نعجز عن تقديم الخدمة المفروضة علينا، فلا يجد الموظف طريقة لفضّ زحامٍ أمام شبّاك مكتبه إلا بأن يصيح فيهم: (لو سمحتوا بالدّور الأول فالأول) ويهدّدهم بأنهم إذا لم يصطفّوا بالنظام فلن ينظر في معاملة أيّ واحد منهم، فيُبادر واحد ممّن عاصروا معلمين قدامى بأن يقول في ذلك الجميع وكأنه أتى بحكمة غائبة: القَصير قُدام والطّويل وَرَا..
حَقّاً إنّنا في زمن الفرز بكل معانيه والتصنيف بكلّ تقسيماته وعلى جميع الأصعدة، فلم يسلم من هذا العمل البَهْرَجي غير المفيد ـ غالبا ـ مجال سياسي ولا ديني ولا اجتماعي ولا مادّي، ولم يقف الفرز عند العموميّات بل طال الخصوصيات في عمقها وأسرارها، وقام الفرز ليكون مستمتعا بالتافه والحقير من الأشياء والأشخاص في أوقات فراغه وفراغ أهله..
ألا ترى في استقبال المستشفيات بأنّ هناك عيادات للفرز؟ ألا ترى في المطارات خطوطا حمراء لا يتعدّاها إلا من عرف إلى أيّ منطقة فرز سيسير؟ ألا ترى في مواقف السيارات مواقف محجوزة وأخرى مسروقة وثالثة مهجورة في فرز مملّ؟ ألا ترى في المناسبات العامة والاحتفالات تقسيما وفرزا للمقاعد؟ فهذه لهؤلاء وتلك لهؤلاء والباقية للشعب، ألا ترى تصفيات كأس العالم تفرز الفرق فرزا محبّبا لقلوب الرياضيّين؟
وفي الحقيقة بأن من الفرز ما هو ضروريّ ومقبول ومفيد ومساعد على هدف أسمى من ذاتية التصنيف نفسه وليس هذا ما أثار حفيظتي، بل الفرز الاعتباطي والاجتهاديّ الذي يتشدّق به كلّ من أراد الكلام لمجرّد الكلام والسيطرة لمجرّد السيطرة مُجبراً من خلقهم الله أن يكونَ: القَصير قُدام والطّويل ورَا.