الحزم.. وأزمة المواطنة

قامت عاصفة الحزم بقرار سياسي خليجي وعربي ودولي، لاتقاء الخطر المحدق بالمنطقة من الهيمنة الإيرانية عبر أعوانها الحوثيين في اليمن، فكان الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع، ولم تصل بنا المفاوضات الطويلة لأي طريق سلمي، فكان لا بد من وضع حد لهذا الوضع المزري من التمدد الحوثي والإيراني، وبقدر وضوح الهدف الخارجي والتأييد الشعبي له؛ إلا أن العاصفة أعادت لنا في الداخل المحلي هيكلة وتجديد كثير من المفاهيم ومن أهمها مفهوم الوطنية والمواطنة.
فالوطنية هي رابطة الأرض، وهي مثل ما يقول الأديب الإيرلندي جورج برنارد شو: (إنها القناعة بأن هذا البلد هو أعلى منزلة من جميع البلدان الأخرى لمجرد أنك ولدت فيه)، وهي قيمة إنسانية تؤصل للعلاقة بين الإنسان والإنسان على مبدأ الشراكة في الأرض، دون أي اعتبار لأي عامل آخر مما يحقق العيش الإنساني المشترك المبني على العدل وإعمار الأرض وتنميتها، و‏مفهوم المواطنة في الثقافة السياسية والاجتماعية ليس له ارتباط اقتصادي (مادي)، ولا ارتباط عضوي (جيني)، ولا ارتباط ديني ومذهبي؛ إنما الرابط هو الأرض والأرض فقط، وهذا هو المفهوم الشائع والمعروف في كل الدساتير والمواثيق الدولية، وهو ما يتماشى مع العقل والمنطق والإنسانية، ‏ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليخرج عن المفهوم العام للمواطنة، والله تعالى في القرآن الكريم لم يفرق بين الناس بحسب عقائدهم ودينهم، ولم يجعل من الدين محور تنازع وصراع.
في خُطب الجمعة قد يقوم بعض الخطباء بتسطيح بعض المفاهيم وإعطائها معاني مشوّهة مثل مفهوم (الوطنية) وربطه بالانتماء المذهبي الضيق، وفي يوم الجمعة الماضي كانت ‏البلاد والعباد في واد، وبعض خطبائنا في واد آخر؛ فاستغلال عاصفة الحزم في تصفية الحسابات الطائفية هو مرض فكري وأخلاقي، واستغلال خطبة الجمعة في زعزعة الوحدة الوطنية يحتاج لوقفة حازمة من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإسلامية، حيث يمارس بعض الخطباء تسميما للأفكار عبر تمرير أجندة مشبوهة وعبارات موهومة، والخطيب في خطبة الجمعة عليه أن يحترم عقول الناس وأن يبتعد عن مستنقعات الشبه ومواطن الصراع.
واستغلال الأزمات في التشكيك بالوطنية والمواطنة لشخص ما، أو لفئة وطائفة ما لمجرد الاختلاف والتباين الفكري أو الفقهي أو المذهبي؛ إشكالية يبثها أُناس يشكلون خطرا داخليا على البلاد، هذا الخطر يوازي في خطورته الخطر الخارجي إن لم يكن أشد منه، ففي الأزمات والمحن نحتاج لخطاب الوحدة والتكاتف والالتفاف حول بعضنا بعضا وحول الحكومة. يقول مالكوم إكس: على الوطنية ألا تغمض أعيننا عن رؤية الحقيقة، فالخطأ خطأ بغض النظر عمن يفعله أو يقوله.