(عاصفة الحزم) ودعاة الطائفية
الأربعاء، ١ أبريل ٢٠١٥
(1)
لم أرَ في حياتي حربا من الحروب نالت ما يشبه الإجماع عليها من قبل تيارات كثيرة متباينة فكريّا في عالمنا العربي كحرب عاصفة الحزم؛ وما ذلك إلا أنها جاءت في وقت بلغ الوهن والضعف والشعور العربي بالضياع والمهانة غاية لم يصلها من قبل؛ إذ اكتسح الحضور الإيراني مرابع العرب، وتهاوت بيديه عواصمهم واحدة تلو الأخرى، وارتفعت الأصوات الإيرانية تعلن اقتراب تحقق حلم الإمبراطورية الفارسية؛ فقائد الحرس الثوري قاسم سليماني يذرع الأرض العربية قائدا للجحافل من بغداد إلى تكريت إلى درعا، والبوارج الإيرانية تُحكم السيطرة على مضيق هرمز، وتوشك أن تحكم الخناق على جزيرة العرب بإحكام السيطرة على باب المندب، حتى إذا بلغت روح العروبة الحلقوم، وساد الشعور بالمهانة والعجز جاءت (عاصفة الحزم)؛ لتبعث روح العروبة من جديد كطائر الفينيق الذي ينهض بعد أن استحال رمادا، ويتجدد الأمل بأنها بداية الصحوة من الغفلة، ومقدمة لتشكل حلف عربي يقوض الحضور الإيراني المدمر في عالمنا العربي الجريح، الذي ما كان له أن يتغلغل لو لا حالة الفراغ الذي أعقب فشل الدولة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولم يكن ثمة حضور عربي قوي يملأ هذا الفراغ.
(2)
ليس في إعلان الحرب ما يُدهش؛ إذ إن أي دولة تملك قوة حربية يمكنها أن تعلن الحرب حينما تُهدَّد مصالحها، ما يُدهش هو المقدرة على تكوين حلف واسع من دول عربية وإسلامية، وموافقة دولية، وهو دليل على مكانة الدولة الداعية للحلف، ودليل على مقدرتها على وضع إيران في زاوية ضيقة، وضرب جدار عالٍ من العزلة الإقليمية عليها، مما يشعرها بحجمها الحقيقي، وينزع عنها رداء الزهو والكبرياء الذي تتباهى به؛ إذ ما برحت آلتها الإعلامية تردد أن الشرق الأوسط أصبح بقبضتها، وأنها اللاعب الإقليمي الوحيد الذي لا يمكن أن يحدث أمر في الشرق الأوسط إلا بإذنها، وكل هذا تهاوى بتكوين حلف (عاصفة الحزم).
(3)
جعلت إيران نفسها متكلمة باسم (الشيعة)، وطرحت نفسها حامية لهم، وحرصت على إثارة النعرات الطائفية؛ ليظل العرب الشيعة تحت هيمنتها بصفتها النصيرة لهم والحامية لمصالحهم، وهذا ما ساعد على الاصطفاف المذهبي، وهو بدوره أكسب حركات التطرف السني كالقاعدة وداعش شعبية في أوساط السنة العرب؛ إذ طرحت تلك الحركات المتطرفة نفسها على أنها هي الحامية للعرب السنة ضد تغول المليشيات الطائفية التي ترعاها إيران في الشام والعراق واليمن، فكان لزاما على عقلاء العرب أخذ زمام المبادرة للحيلولة دون وقوع البلدان العربية في قبضة المليشيات الطائفية المتصارعة، واليمن أنموذج على هذا؛ إذ إن هيمنة الحوثيين بخطابهم الطائفي الذي ترعاه إيران ستدفع القبائل السنية للاستعانة بمليشيات القاعدة الطائفية، فكان اليمن موعودا بالسقوط بالهوة السحيقة من الحروب الطائفية الهوجاء، فكانت (عاصفة الحزم) حرب إنقاذ لتجريد المليشيات من سلاحها والعودة باليمن إلى الدولة المدنية التي تتسع لكل طوائفها وقبائلها.
( 4)
لاقت الحرب تأييدا واسعا ممن يدعون إلى أن تكون حربا لأهل السنة ضد طائفة الزيدية، وراجت خطابات طائفية تتحدث عن (المجوسية) و(الصفوية) و(الرافضة)، وهذه الخطابات هي تعبر عن أمانٍ طائفية متطرفة، لم تفهم حقيقة (عاصفة الحزم)؛ وذلك لأمور عدة منها؛ الأمر الأول: أن الشيعة الزيدية هم في الحقيقة مذهب سني لا يختلف عن مذهب السنة إلا في تقديم علي بن أبي طالب على بقية الصحابة، وهذا التقديم أمر اجتهادي لا نص قطعيّا فيه، وليس هو من محكمات الدين، ويختلف في بعض الأمور اللاهوتية كتأثر الزيدية بمذهب المعتزلة، وهذا أمر حدث مع بعض فقهاء المذهب الحنفي من أهل السنة؛ إذ غلب على بعضهم اعتناق الاعتزال، والأمر الثاني: أن الحوثيين - وفق بعض الباحثين من الزيدية - ينتمون للمذهب الجارودي؛ وهو مذهب شيعي مستقل عن الزيدية، وقد انقرض في اليمن، ويحاول قادة الحوثيين نشر المذهب الجارودي في اليمن تحت مسمى الزيدية، وتاريخيا المذاهب الزيدية تكفر المذهب الجارودي الشيعي، ويرون أنه فرقة منحرفة وليست من الزيدية.
وقد اتهم عدد من فقهاء الزيدية - بعضهم من مؤسسي حركة الشباب المؤمن التي كان يقودها حسين الحوثي - الحوثيين بالخروج عن المدرسة الزيدية والاقتراب من الاثني العشرية، والأمر الثالث: أنه لا يوجد اصطفاف طائفي في اليمن؛ فالزيدية والشافعية يصلي بعضهم خلف بعض، وقد سبق لي السفر إلى هناك وصليت في مساجد الزيدية، ودهشت من مدى تدينهم، إذ وجدت مساجدهم عامرة بقراءة القرآن في أوقات الصلاة وفي غير أوقات الصلاة، واتفقت زيارتي في شهر شعبان ففوجئت بكثرة الصائمين منهم صوم تنفل؛ إذ تكتظ المساجد بقارئي القرآن حتى إذا حان الإفطار لم تجد لك مكانا في المسجد. الأمر الرابع: أن عاصفة الحزم ليست لنصرة طائفة على أخرى؛ بل هي لإنقاذ اليمن من الوقوع في الحرب الأهلية التي تتصارع فيها المليشيات الطائفية، والتي كانت على وشك الحدوث مما سيؤثر على الأمن القومي لدول الجزيرة العربية كلها.