وما أدراك ما الحنين؟!
الثلاثاء، ٣١ مارس ٢٠١٥
تنتاب الإنسان مشاعر لا منتهية، ما بين الفرح والحزن، والرضى والغضب، ويتنقل مركبه المهتز باستمرار، في بحر تلك المشاعر، بحسب اتجاه رياح الحياة، ويبقى يمسك بمجاديف الأمل، محاولا الإبحار نحو جزيرة أحلامه، رافعا شراع التفاؤل مهما اشتدت الأنواء، مراقبا بوصلة مشاعره، متقدما - بكل جهد - في طريق السعادة، وإن طالت الرحلة وزادت المشقة، وعلت الأمواج.!
كم أحنّ إلى بيتنا القديم، المحدود بغرفه ومساحته، كم أشتاق لتلك الحكايات العذبة بصوت أمي، وكم أحن إلى صوت أبي رحمه الله، معاقبا وناهيا عن سوء سلوك، كم أحن إلى ألعابي البسيطة مع أشقائي ورفاقي، كم أحن إلى ذلك الطين الذي كنا نلعب به بعد هطول الأمطار؛ فترتسم على وجوهنا وثيابنا لوحات سوريالية، تبعث أحدنا على الضحك من صاحبه، وما علم أن ذات اللوحات مرسومة على وجهه وثيابه هو الآخر!
حتى المسافات التي نقطعها بين البيوت، كانت دروبا من البهجة المتكررة، نفرح كثيرا ونحن نسلكها في اليوم الواحد عدة مرات، ذهابا وإيابا.
سأعود للحديث عن الحنين للمطر، فهطول الأمطار في قريتي الجنوبية، مهرجان شامل للسعادة والحياة.
ولا يغادر مخيّلتي منظر قوس قزح، إذ كانت تختلط مشاعر فرحتي برؤيته، مع مشاعر حزني بالعجز عن الإمساك به أو تسلقه!
كم كنت أغبط الطيور، وهي تغتسل بمياه الأمطار، ثم تنفض الماء عن ريشها، في رقصة انتعاش وانتشاء بالحياة المتجددة بنزول الغيث.
وفي عالم المدرسة، يأخذني الحنين بعيدا بعيدا، إلى سنوات الطفولة المبكرة، وبداية العهد بالأبجدية التي فتنتني بجمال حروفها، وسحرتني بروعة معانيها، واستمرت تلك الفتنة وذلك السحر، حتى هذه اللحظة من عمري!
ولن أنسى ما حييت، وجوه المعلمين الذين تركوا في عقل ذلك الطفل وقلبه، أثرا إيجابيا لا تزيله عوامل تعرية الزمن.
يا الله، كم حاكيت شكل خط أحدهم، وكم قلدت طريقة الآخر في القراءة، ومشيت كمشية الثالث!
بل إن الحنين أخذني ذات مرة لرائحة أحد العطور التي اقتنيتها منذ سنوات طويلة، ويا لسعادتي حين بحثت عنه فوجدته!
كلما مضى يوم من حياة المرء، اشتاق لأمسه، وإذا انقضت مرحلة، حن لسابقتها، فهل من تفسير لذلك الحنين؟!
يبدو أن الأمر لا يخلو من أحجية نفسية، تخفى تفاصيلها حتى على المهتمين بدراسة علم النفس والسلوك البشري.
هل نحن خائفون من غدنا، ولأجل ذلك يأخذنا الحنين لأمسنا؟!
أم إن هذا الحنين ليس إلا رغبة واشتياقا لتكرار تلك اللذة التي عشناها وعايشناها في مرحلة عمرية ماضية من حياتنا؟!
يبدو أن التساؤلات بدأت تتراكم وتتزايد، ذلك أن الحديث عن الحنين حديث طويل مشوق، لا يخلو من الحنين أيضا!
فخذوا هذه التساؤلات وفكروا فيها، لعلكم تجدون إجاباتها في أعماق ذكرياتكم، وما مضى من سنين حياتكم!