تيريزا تكتب عن محاولاتها للعيش باستقامة لمدة عام

كان بنيامين فرانكلين في أوائل العشرينات من عمره عندما بدأ مشروعا جريئا وشاقا يهدف للوصول إلى الكمال الأخلاقي من خلال إتقان ضبط النفس، والصمت، والنظام، والعزيمة، والاقتصاد، في الإنفاق، والصدق، والعدالة، والوسطية، والنظافة، والتواضع.
بعد فترة بسيطة تخلى عن سعيه للكمال لكنه استمر في قناعته بأن هذه الفضائل، بالإضافة إلى القلب الكريم وقبول الضعف الإنساني، هي أساس الحياة الجيدة والمجتمع العملي.
الكاتبة تيريزا جوردان تساءلت فيما إذا كانت قناعات فرانكلين القديمة عن الفضيلة ربما توفر الدليل الذي يرشد الناس الذين يزداد انقسامهم يوما بعد يوم بسبب الدوافع الأخلاقية الغاضبة.
وقررت تيريزا جوردان أن تحاول أن تعيش حياتها وفقا للقائمة التي وضعها فراكلين لمدة عام كامل، بحيث تركز على كل فضيلة لمدة أسبوع كل مرة وتأخذ نهاية الأسبوع إجازة تفعل فيها ما تشاء حتى لو خالفت قواعد القائمة.

صراع الخير والشر

ومنذ أن كانت شابة صغيرة، كانت محاولات تيريزا جوردان الالتزام بالقيم والمثل العليا مخلصة وجادة.
لكنها مثل أي إنسان آخر لاحظت وجود تفاوت في بعض الأحيان بين القيم والمثاليات التي كانت تتطلع إليها وبين العادات الفكرية والعملية التي تسللت إلى حياتها على مر السنين، وأصبحت تشعر بالقلق من أصغر الأمور وأقلها شأنا.
وكدورة تنشيطية للعيش وفقا للقيم والمثل العليا، قررت تيريزا أن تعيش عاما كاملا تستكشف خلاله مدى الصراع بين الفضيلة والخطيئة، بين الخير والشر، في الحياة اليومية، ولحسن الحظ أنها قررت منذ البداية أن تسجل كل شيء في مذكرات يومية بشكل مفصل.
النتائج المثيرة لهذه التجربة الفريدة تم جمعها في هذا الكتاب الشيق.
نشأت تيريزا في مزرعة في وايومينج في عائلة لم تكن تتردد على الكنيسة، وكان والداها من المعجبين بالفلسفة الموضوعية التي وضعها ايان راند.
تبلغ تيريزا جوردان 59 عاما من العمر، وقد بدأت بقائمة من الفضائل الـ13 التي وضعها بنيامين فرانكلين في قائمته عندما كان هو نفسه في أوائل العشرينات من عمره.
وعن سبب اختيارها لهذه القائمة تقول تيريزا إن «بنيامين فرانكلين هو الأب المؤسس المفضل لديّ».

العيش بصدق

وتؤكد تيريزا أن «هذه القيم هي التي نشأت وأنا أؤمن بأنها جوهريا قيم أمريكية، قيم أفتقدها مع توجه البلد الذي أحبه للانقسام أكثر وأكثر كل يوم».
تشير تيريزا أيضا إلى وجهات نظر عدد من الفلاسفة والشعراء والكتاب، مثل الفيلسوف المعروف نيتشه، في نحو خمسين فصلا من فصول كتابها التي تحمل عناوين مثل «الجشع»، «التعاطف»، «العدالة»، «الغضب»، «الحب».
أضافت تيريزا إلى قائمة فرانكلين للفضائل كمجموعة من الصفات الإيجابية، مثل العرفان بالجميل والشجاعة، وتجاوزت «السبع الموبقات» من الخطايا المميتة لتتجنب أيضا أخطاء أقل جدية، بما في ذلك العناد والتصلب في الرأي.
كان اهتمامها بتحقيق وعي أكبر من اهتمامها بالتخلص التدريجي من النقائص كما حاول فرانكلين سابقا (واعترف بفشله فيما بعد).
وتتساءل تيريزا «ماذا نعني عندما نقول عن شخص إنه جيد؟ ماذا يتطلب الأمر ليعيش الإنسان بصدق وإخلاص؟».
في الفصل الذي يحمل عنوان «الكسل»، تتحدث تيريزا عن تصنيف البابا جريجوري الأول للكسل البشري، والذي يتلخص في أنه قنوط كبير ينتج عن فشل المرء في استخدام مواهبه، وبعد ذلك تنتقل إلى فلسفة دانتي التي تضع الكسل وسط الأخطاء المميتة لأنه ينتج عن «فقدان المحبة».

الأم أكبر مدرسة

وفي الفصل الذي يحمل عنوان «الدقة» تضع تيريزا سلطان الوقت في منظور تاريخي، حين اكتشف الإنسان للمرة الأولى كيف يميز بين الساعات، وأدى ذلك إلى إيجاد قيود جديدة للإنسان.
من الأمور التي تتكرر كثيرا بين صفحات الكتاب هو عودة تيريزا، حتى لو في الذاكرة فقط، إلى المزرعة التي نشأت فيها والدروس التي انغرست فيها في تلك المرحلة المهمة من حياتها.
كانت الدروس التي تعلمتها من والدتها لا تقل أهمية من الدروس والقيم التي تعلمتها من أي مفكر وفيلسوف قرأت له أو عنه.
فقد كانت والدتها زوجة وأما وشريكة عمل مخلصة تتمتع بروح معطاءة وحس قوي للتمييز بين الحق والباطل.
كان زوجها وجميع أصدقائها يحبونها لدرج كبيرة، وكانت تيريزا لا تحبها فقط، بل كانت تعدّها المثل الأعلى لها.
ومن الأمور الرائعة التي تذكرها بإعجاب في الكتاب هو الدعاء الذي كان فرانكلين يكرره باستمرار «اللهم أعنّي على أن أكون حنونا مع الضعفاء؛ وأن أحترم وأجلّ الكبار؛ وأن أكون لطيفا مع جيراني؛ ووفيا مع أصدقائي؛ وأن أكون كريما مع الغرباء؛ وأن أكون رحيما ورقيقا وبهيج الروح وأن أستمتع في عمل الخير مع الآخرين».

تيريزا جوردان

صاحبة هذا الكتاب «عام من العيش باستقامة: باستثناء نهاية الأسبوع» المنشور عن دار كاونتربوينت، 2014 هي فنانة تشكيلية وكاتبة نشأت في بيت مليء بالكتب في مزرعة معزولة في وايومينج، حيث تعلمت حب العلم والمعرفة وحملت تلك المحبة معها إلى جامعة يال وبقيت تحب التعلم حتى بعد أن تخرجت من الجامعة.
لها عدة كتب من بينها «ركوب الحصان الأبيض إلى البيت» و»راعيات الأبقار» و»الطريق المفتوح».
تعيش تيريزا الآن في جنوب ولاية يوتا الأمريكية.