هدر الطاقة المستمر.. مشكلة المستقبل

يشهد الاستهلاك المحلي من النفط والغاز نمواً مطردا لا يمكن الصمت حياله، والأرقام القياسية التي بلغها تنذر بتقليص صادرات المملكة من النفط بشكل كبير في المستقبل، ومع تنامي استهلاك البترول بهذا الشكل محلياً، والتأخر في تنفيذ المصادر البديلة لتوليد الطاقة الكهربائية أصبحت هذه المعدلات مخيفة، وتنذر بمعضلة تهدد مصدر الدخل الرئيس للميزانية.
فالتقارير المتشائمة ـ حتى وإن كنت لا أتفق معها ـ من ضمنها تقرير صادر عن سيتي جروب (City Group) تتحدث عن تقلص فرص المملكة كدولة مصدرة للبترول بحلول عام 2030 على أساس فرضية أن التوسع في إنتاج الطاقة الكهربائية سوف يتزايد بحوالي نفس المعدل الجاري حاليا، وعدم استخدام المصادر البديلة لتوليد الطاقة الكهربائية.
واستهلاك المملكة من مصادر الطاقة الأولية بلغ مستويات قياسية، فوفقاً لبيانات هيئة الطاقة الدولية (IEA) بلغ استهلاك المملكة في 2012 نحو (3,9) ملايين برميل نفط مكافئ يومياً، وتشير التوقعات إلى أن الاستهلاك هذا العام سيبلغ ٤,٧ ملايين برميل نفط مكافئ يومياً، بما يعادل أكثر من ثلث إنتاج المملكة النفطي، وبذلك أصبحت المملكة سادس دولة بالعالم من حيث كمية استهلاك النفط بعد الولايات المتحدة والصين واليابان والهند وروسيا بعد أن كانت في المرتبة 15 في عام 1980، وهي نسبة استهلاك عالية جداً قياساً بنسبة السكان.
وبلغ استهلاك الفرد السعودي من الكهرباء في 2013 مستويات مرتفعة جداً، بلغت ضعف متوسط استهلاك الفرد في العالم بعد أن تجاوز استهلاك الفرد 8 ميجاوات في الساعة، وفقا لتقرير هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج، ومع تنامي عدد السكان سنويا، حيث تعد السعودية من أعلى بلدان العالم خصوبة ومواليد، سيزيد الطلب على الكهرباء وربما يتضاعف قياسا إلى نسبة استهلاك الفرد السعودي.
وهذا الاستهلاك المتنامي والمفرط للطاقة الناضبة إن لم يتم تداركه قبل فوات الأوان، فإن المملكة ستفقد جزءا كبيرا من طاقتها التصديرية، وبالتالي انخفاض مواردها المالية، والحد من هذا الاستهلاك المفرط يتطلب العمل على عدة محاور لضمان الوصول إلى حلول مثالية تضمن الاستخدام الأمثل لهذه الموارد:
أولاً: تبني سياسات قصيرة وطويلة الأمد، تسهم فيها جميع الجهات المعنية بتوفير الطاقة، ومستهلكوها، فجهود رفع كفاءة الطاقة التي يقوم بها المركز السعودي لكفاءة الطاقة وحدها لن تؤتي أُكلها، ما لم تكن هناك منظومة مكتملة تتبني سياسات تجمع بين رفع الوعي بين المواطنين لاتباع ترشيد الاستهلاك، بالتزامن مع رفع كفاءات الطاقات للأجهزة الكهربائية، والتشجيع على استخدام مصادر الطاقات المتجددة.
ثانياً: سرعة إنجاز مشاريع الطاقة المتجددة والبديلة، والتي يمكن أن تحد من هذا الاستهلاك المفرط، أخذا في الحسبان الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المشاريع عند اكتمالها في توفر ثلث احتياجات المملكة من الكهرباء بحلول 2032، مما يعني توفير نحو 690 ألف برميل من النفط الخام عند مستويات الاستهلاك الحالية.
ثالثا: تشجيع استخدام الطاقة الشمسية في توليد جزء من الطاقة الكهربائية للمنازل، وتوفيرها للمواطنين الراغبين في استخدامها مجاناً، وأن تتولى الحكومة توفيرها مجانا وتشجيع استخدامها في المنازل، وكذلك استخدامها من قبل الأمانات والبلديات في إنارة جزء من الشوارع، إذا ما علمنا أن المملكة تتمتع بواحد من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم، إذ تتلقى في المتوسط ما بين 1800 إلى 22000 كيلووات في الساعة لكل متر مربع في السنة، وهي بلا شك مستويات قياسية كافية في حال تم استغلالها بشكل سليم لجعل المملكة في مراكز متقدمة في صناعة الطاقة المتجددة وتصديرها.
رابعا: سن التشريعات المنظمة لمشاريع الطاقة المتجددة، وتنظم استخدام هذه الطاقات في المستقبل، إلى جانب تعديل أنظمة الاستثمار في هذا القطاع بما يضمن تشجيع وجذب المستثمر المحلي والأجنبي للاستثمار هما الخطوتان الأهم لتنمية هذه الصناعة، إلى جانب تطوير قواعد أكثر شفافية للطاقة المتجددة، وتشجيع التعاون مع الدول المتقدمة والاستفادة من خبراتها على أن يكون على أساس المنفعة المتبادلة لتعزيز دور الطاقة المتجددة، ولتتكامل مع مثيلاتها المهددة بالنضوب مثل النفط والغاز.

alofi.m@makkahnp.com