الملاحم العربية المخجلة
الجمعة، ٢٠ مارس ٢٠١٥
الوضع الراهن أشبه ما يكون بمعادلة صعبة وطويلة يصعب فك رموزها، فالأمة الإسلامية دخلت نفقا مظلما لا يعلم مداه إلا الله، فقد أثبتت أغلب الأنظمة الحاكمة العربية أنها فاسدة، وأثبتت الأيام خيانتهم لكل المبادئ والقيم، وهي ما كان ينادي به العقلاء منذ زمن، وكان الكتاب والإعلاميون يتهمون هذه الأصوات المحذرة للأمة من أنظمتها بأنهم ظلاميون، وأنهم متطرفون، وأنهم عملاء ولديهم قصر نظر وإدراك.. حسنا لنترك اللوم الآن ولننظر إلى الواقع.
مر على الأزمة العربية وإن شئت فسمها (الملاحم العربية الخالدة) أكثر من أربع سنين، وها نحن نسمع كل فترة وأخرى عن مؤتمر لعقلاء الأمة من الشرعيين والسياسيين لدراسة المستقبل، ولا زلنا ننتظر من الأنظمة العربية أن تصنع مؤتمراتنا وأن تملينا البيان الختامي الصادر من الأجهزة الرقابية والأمنية المليء بعبارات المدح والتبجيل والشكر.
لا يشك عاقل في أن الوضع خطير جدا، والأطماع الغربية في ظل الفراغ السياسي ظاهرة، والغرب في كل يوم مؤتمر ودراسات عن الوضع، والعرب متخشبون أمام شاشات القنوات يشاهدون نهائيات البطولة العربية بين الحكام وشعوبهم، بل يشاهدون النهائيات المحزنة بين المسلم العربي والسني وأرضه وبلاده، السؤال الخطير أيضا ما تفسير ما يحدث؟
حقا إنها أيام تاريخية يعيشها جيل اليوم، أنظمة تتهاوى، ورؤساء يهربون، ووزراء يسجنون، صحافة كاذبة، ومثقفون وكتاب خونة، وشعوب أصبحت تموت بعشرات الألوف سنويا، من اليمن إلى الشام، ومن العراق إلى المغرب العربي.
لم يعد العرب كما كانوا، فلم يعودوا يتسترون بالخوف، بل أصبحوا يتباهون بعدد الجنائز التي تسقط تحت رصاصات ومدرعات الفرقاء.
لطالما ظن العالم في المئة سنة المتأخرة أن الأمة العربية لا تعرف حمل السلاح، ولطالما تشدق الغرب بأن العرب أمة ضعيفة، ولكنهم اليوم يثبتون للعالم أجمع أنهم غير ذلك تماما، فهم يقتلون بعضهم
بلا رحمة، ويحرقون أرضهم ويدمرون حضارتهم
بلا هوادة.. فماذا يحدث الآن بربك؟
هل هي من علامات الساعة؟
ولماذا لا يكون كذلك وقد تطاول الحفاة رعاة الإبل والشاة من العرب في البنيان، وقد بدأت أشراط الساعة قبل ذلك بكثير فقد انشق القمر، وقد بعث سيد الخلق محمد وقد زالت الخلافة، وقد تفشى الربا وقام عليه اقتصاد العالم اليوم، وتفشت مظاهر الفواحش والعري والتفسخ في أمم الأرض، حتى أصبحت جزءا من الحضارة والتقدم، وكل هذه من علامات الساعة،
وها هي أزمان (الهرج) وهو كثرة القتل كما في الحديث، فقد أصبحت البشرية تقتل بعضها بأسلحة الدمار الشامل، أو بصنوف الأسلحة التي تقتل المئات في لحظة واحدة..
وهل ما يحدث من السنن الكونية؟
ولم لا يكون كذلك، وقد أخبرنا ربنا أنه إذا أخذ الظالم لم يفلته، وأخبرنا أنه يمهل الظالمين، حتى يظنون أنهم مخلدون في النعيم، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، وها هي حكومات وأنظمة طغت وتجبرت وحكمت عقودا من الزمن قد ذهبت في بضعة أيام بقدرة المنتقم الجبار، وها هم شعوب قد باتوا متنعمين فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف..
وهل ما يحدث مؤامرة دولية تهدف للقضاء على المسلمين وتدمير بلادهم وحضاراتهم؟
ولم لا يكون ذلك والله تعالى يقول: «ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم»، ويقول ربنا: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم»، ويقول واصفا مكر أعدائه: «بل مكر الليل والنهار» «ومكروا مكرا كبارا»، ولكن كيف غابت عقولنا وهم يمكرون بنا؟
شيء عجيب.. يتطلب رأي عقول جبارة.. يتطلب لقاءات وندوات بعيدة عن سطوة الأنظمة، وبعيدة عن الأدلجة المسبقة، وبعيدة عن التطرف أو التميع..
شيء يجعنا نكرر دائما: اللهم احرسنا بعينك التي
لا تنام، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
khedr.s@makkahnp.com