لماذا نجح الإسلام السياسي وفشلت الحداثة؟
الأحد، ٤ يناير ٢٠١٥
السؤال الخادع غالبا ما يحتوي على الإجابة نفسها، وفي أفضل الأحوال، فإنه يفتتح سلسلة من الأسئلة الأخرى وإجاباتها المتتالية التي تشكل بدورها أسئلة جديدة وهكذا. السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم هو: “كيف ولماذا يبدو الإسلام السياسي وكأنه فشل أينما حل في أي مكان في العالم الحديث؟ هل هناك توافق أساسي بينه وبين الحداثة؟”
يقول الدبلوماسي الأمريكي ومحاضر في الدراسات الدولية بجامعة ييل تشارلز هيل، في مقال نشر علي موقع بوليتيكو، إنه طرح مثل هذا السؤال في أثناء الحرب الباردة حول الماركسية الشيوعية، وأفرز العديد من الإجابات التي دشنت أسئلة جديدة. وهو ما ينطبق أيضا اليوم على “الإسلام السياسي”، الذي يفترض سؤالا آخر: ما الإسلام السياسي؟ إن الإجابة ستتضمن بالتأكيد الإشارة والاستشهاد بتنظيم داعش وخلافته المزعومة التي ظهرت في منتصف 2014. ويبدو أن تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حول داعش هو مفتاح فك شفرة هذا السؤال الخادع حول “الإسلام السياسي”، إذ قال حرفيا “لا مكان للهمجية في العالم الحديث”. وهكذا تبدأ دورة الأسئلة حول “ما هي الحداثة؟” والتي تقودنا في النهاية إلى السؤال الأكثر إثارة: إن تعارض الإسلام السياسي مع الحداثة قد يكون جيدا، ولكن ماذا لو فشلت الحداثة في عالم اليوم، بينما كان النجاح من نصيب الإسلام السياسي؟
سن الإبرة
المسألة لا تبدو للوهلة الأولى تحمل أوجه الشبه مع العصور الوسطى المسيحية في أوروبا، التي كانت تتساءل حول “كم من الملائكة يمكنهم الوقوف على سن إبرة ؟” ذلك لأن الإجابة على السؤال الأساسي حول توافق الإسلام السياسي مع الحداثة، تشير إلى أن غرض الإسلام السياسي ليس فقط أن يكون متوافقا مع الحداثة، ولكن أيضا معارضتها، وهدمها واستبدالها.
العالم الحديث، على الرغم من خصائصه المختلفة، يمكن تلخيص تاريخه في سلسلة من الحركات الفكرية، والإنجازات المؤسسية والأفكار المقبولة عموما عبر فترة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة قرون ماضية. وقد شكل ببطء نظام دولي عملي في الأساس ومشترك بين الجميع من خلال: نهضة أعلت من شأن النزعة الإنسانية وآمنت بالفرد، وإصلاح ديني افتتح ساحة واسعة للنشاط العام، ومعاهدة وستفاليا (1648) التي دشن بموجبها نظام الدولة القومية بغض النظر عن الشكل السياسي في الحكم، والأمم المتحدة باعتبارها “المنظمة العالمية للدول الأعضاء فيها” وشبكة من المؤسسات والجمعيات الدولية؛ وفكرة الديمقراطية الحديثة التي بدأت على أيدي الفيلسوف كانط في القرن الـ 18 حتى فترة ما بعد الحرب الباردة.
فرضية خاطئة
مجرد سرد هذه الخصائص في النظام الدولي الحديث هو بمثابة الإجابة عن السؤال الأول: لماذا يعتبر الإسلام السياسي غير متوافق مع الحداثة؟ ويمكن التوسع في الأسباب إلى ما لا نهاية، ولكن يكفي الاستشهاد بثلاثة عوامل رئيسية، جاءت على لسان قادة في تنظيم داعش:
أولا، إن مفهوم الدولة بالمعنى الحديث هو في حد ذاته مسألة خلافية أساسية مع مفهوم الدولة في الإسلام، وعندما سئل أحد المقاتلين في داعش عن الهدف من القتال في العراق وسوريا، قال: نحن نعارض أصلا نظام الدول”.
ثانيا، الديمقراطية هي “رجس من عمل الشيطان” وهي تعتبر الشعب صاحب السيادة وتتطلب التشريع نيابة عن الشعب، وهذا كله ضد الإيمان حسب المفهوم الإسلامي، لأن الشريعة الإسلامية هي التي يجب أن تسود على المؤمنين وتحكم بين الناس بما أنزل الله.
ثالثا: فرضية أن الحداثة مرغوبة وصالحة في الدول الإسلامية والعربية هي فرضية خاطئة تماما، فقد أكدت النتائج التي خلص إليها تقرير برنامج التنمية البشرية العربي التابع للأمم المتحدة عام 2002، بأن الإسلام السياسي غير متوافق مع الحداثة. لقد وصف التقرير المجتمعات العربية بالفشل في تلبية المعايير الحديثة لحقوق الإنسان، وامتلاك المعرفة وتبادلها، ومنح الحريات للمرأة.
حرب الكل
في العقود الأخيرة ضعف النظام الدولي نتيجة بروز ظاهرتين على سطح الأحداث. وطبيعي أن ينال النظام العربي الإسلامي نصيبه من هذا الضعف، لكن هذا ليس سوى جزء من الحكاية، فقد فشلت الأنظمة الحاكمة على اختلافها في الاستجابة لاحتياجات شعوبها، وهو ما أنتج في النهاية ما عرف بالربيع العربي عام 2011، والذي سحق بسرعة من قبل الأنظمة القديمة أو تم استبداله بالإسلام السياسي ما أدى إلى حرب الكل ضد الكل حسب تعبير الفيلسوف هوبز وهو بالضبط ما يجتاح منطقة الشرق الأوسط الآن! حيث تناضل الدول التي بقيت داخل النظام الدولي الحديث في هذه الرقعة الواسعة من العالم من أجل البقاء. وبما أن الشرق الأوسط يشهد الآن أكبر نقطة تحول في تاريخه الحديث، وليس معروفا بعد ما إذا كان سيصمد ويظل منطويا تحت النظام الدولي أو يسقط منه ويعاديه بالتالي، فإن المفارقة هنا تكمن في أن النظام الدولي نفسه قد تدهور بشكل كبير عبر العقود القليلة الماضية. فقد ألحقت الحرب الباردة أضرارا كبيرة في بنيته، وهي أضرار فريدة في تاريخ الحروب الحديثة الكبرى، وإن جرت محاولات تسوية لهذه الأضرار في مرحلة ما بعد الحرب الباردة حتى يبقى على قيد الحياة رغم مرضه!
صيانة مؤجلة
نحن الآن وبدءا من عام 1990 لم نجن بعد عوائد السلام في أعقاب نهاية الحرب الباردة، ما يعني أن النظام الدولي ينتظر صيانة مؤجلة. حيث بدأ المثقفون في الغرب في الاعتراف علنا بأن لبنات بناء نظام الدولة الحديث ومفهوم السيادة والدفاع والأمن، وما إلى ذلك من مفاهيم قد عفا عليها الزمن. اليوم يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تعريف نفسه على أنه شكل جديد من أشكال التحالف بين كيانات شبه دولية مع مزيج من السلطات السيادية التي تختلف عن مفهوم السيادة الحديث حسب معاهدة ويست فاليا عام 1648. فالاتحاد الأوروبي اليوم ليس دولة ولا إمبراطورية، وبالتالي حرم نفسه من الكثير من النفوذ الدولي. أما رسالة الولايات المتحدة الأخيرة إلى العالم فهي: أن التراجع عن قيادة العالم أفضل وأكثر راحة بكثير، من أجل بناء الأمة في الداخل، وهي إحدى مقولات الرئيس باراك أوباما المفضلة.
وهكذا ترك النظام الدولي بلا قيادة وبلا دفة أيضا. وفي خطب أروقة الكرملين بروسيا والعناوين الرئيسية لأغلفة المجلات الاستراتيجية في بكين، برز خط واضح: أن نظام الدولة الذي يمكن إرجاعه إلى عام 1648، والذي عبر عن العصر الحديث نفسه، يقترب من نهايته. روسيا والصين تتحركان إلى الأمام، وأحيانا بقسوة، وأحيانا خطوة خطوة، للتحضير للنظام العالمي الجديد القادم، والذي سيكون عالما متعدد الأقطاب يتشكل من القوى الكبرى دون قيود عالمية.
إن نظاما حديثا يولد الآن رغم شعورنا بأننا ما زلنا داخل نموذج الدولة الحديث القديم الذي ينسحب من تحت أقدامنا بمرور الوقت، لكن يبدو أيضا أننا لا نعرف ذلك، أو قل لا نهتم بذلك كثيرا!