صناعة الفرد المستبد!

المجتمع العربي عامة، والخليجي على وجه التحديد، بيئة مناسبة لصناعة وإنتاج أفراد مستبدين، فمهما كان مستوى الفرد الفكري أوالعلمي أو الاجتماعي فإن المجتمع قادر ببساطة أن يعيد تكوينه ويبرمجه بلا وعي ليصنع منه مستبداً. والاستبداد كما هو عند عبدالرحمن الكواكبي (غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي في الحقوق المشتركة)، فلهذا أعتقد أنه ما من أحد منّا قرأ هذا التعريف إلا واستحضر صورة شخص واحد -على الأقل- ممن تنطبق عليهم هذه الصفات، ولو تتبعنا حياة المستبد لوجدناه في أغلب الحالات بدأ حياته بشكل عادي، أما من عاش في بيئة مُترفة ونشأ على حياة البذخ والخدم ولم يبرح مدينته الرغيدة فقد نجد له عذراً، أو على الأقل نتجاوزه لأننا بصدد الحديث عن صناعة الاستبداد وليس الاستبداد بالوراثة، فالفرد قد ينشأ عصامياً بسيطاً يُقاتل لأجل لقمة عيشه، يلعن المستبدين الذين يضيّقون عليه الأرض بما رحبت، وقد يحالفه الحظ فيحصل على بعثة لإكمال دراسته في إحدى دول العالم الأول، هناك يجد القوانين التي تحارب الاستبداد، فيمقت شيخ القبيلة، وسلطة المجتمع التي لا تقوم على منطق أو سبب موضوعي، فيجد نفسه مهيأ للانخراط في البيئة الجديدة العادلة، فيستأذن (الخادم) ويستلطفه قبل أن يأمره بأن يناوله شيئاً، ويقف -كأي إنسان سويّ- في طابور الخبر وتذاكر الطيران، ويجهز فطيرته بنفسه قبل أن يذهب لدوامه، وهكذا حتى يحصل على مبتغاه ويعود لأرض الوطن سالماً، فيبدأ المجتمع (المصنع) بإعادة تأهيله دون شعور منه، وربما دون شعور من المجتمع أيضاً، ذات المجتمع الذي يشتم الاستبداد بوعيه، ويصنع بلا وعي مزيداً من المستبدين، فهذا العصامي البسيط ما إن تطأ قدماه أرض الوطن حتى يجد القبيلة أو العشيرة أو الإقليم كلها في انتظاره بأرض المطار، وكأنه فارسها الأسطوري الذي طال انتظاره، يقرأ الصحف في يومه الأول فيجد التهاني والتبريكات على صفحات جريدة ملونة تبارك له وكأنه عاد بجائزة نوبل بفروعها الستة!، ثم بعد ذلك تحتفل به القبيلة أو العائلة وتُنشد القصائد العصماء في الشخصية العظيمة أو التي يُراد بها أن تكون عظيمة، فيشعر المُكرم بالزهو الذي يهشم الكثير من النظريات والقناعات التي عرفها في غربته الطويلة، وفي ضوضاء التهاني والكلمات المنمّقة يهمس النافذون والمسؤولون من أبناء عمومته بأنهم سيبذلون جهدهم في البحث له عن وظيفة تليق به كابنهم أولاً، وإيماناً بمؤهلاته ثانيا، وهو ما يحصل بالفعل أسرع مما توقع بكثير، فما إن وصل عمله الجديد حتى وجد مكتباً أوسع وأفخم وأجمل بكثير من مكتب عميد كليته في الجامعة الغربية، ويكتشف بأنه ليس بحاجة لأن يسأل عن المكان الذي يُعد فيه الشاي، فذلك شأن (الفَرّاش) المُكلف بإعداد القهوة والشاي، ويجد نفسه مُحاطاً بمجموعة من المتملقين الذي يعتبرون الكلام معه وسماع حكاياته غير المسلية نوعاً من النصر المهني، ثم يعود المجتمعون عبر بوابة النافذين كي يطمئنوا على (ولدهم)، ويوصلوا رسالة مبطّنة عليه فهمها مبكراً وفحواها بأن المؤهل العلمي وحده لن يحقق طموحاتك، وهو بطبيعة الحال سيقابلهم بالشكر والامتنان، لأنهم أصحاب الفضل، ويحاول أن يُثبت لهم أنه (ذيب) وأنه يتمتع بكامل الصفات التي تؤهله لأن يكون فارساً بعين القبيلة التي ترى أن عدم تجاوز النظام لخدمة قريب هو نوع من الجُبن والضعف، فالذاكرة العربية لا تقف في المُنتصف وتُمرر دوماً الجُبن كنقيض للشجاعة وليس نقيضاً للقوة، فصدام حسين مثلاً ما زال العروبيون يرونه شجاعاً ورمزاً مهما في التاريخ العربي، والشجاعة المقصودة هي القوة، وشتان ما بينهما!