توسكاجي.. ودماء على طريق البحث العلمي
الأحد، ٤ يناير ٢٠١٥التجارب العلمية الجادة هي أساس التقدم العلمي في شتى المجالات، خاصة في المجال الطبي إلا أن ثمنها كان مرعبا.
ففي عام 1932 وفي مدينة توسكاجي بولاية ألاباما الأمريكية ابتدأت دراسة طبية على 400 مريض من السود المصابين بمرض الزهري، وكان الهدف المعلن هو دراسة طريقة تطور المرض وتقدمه وتفاعل أجسام هؤلاء المرضى معه.
الغريب أن هذه الدراسة استمرت حتى عام 1972 عندما اكتشف عدم إنسانيتها وخداعها فجميع المرضى من السود الفقراء الأميين.
ورغم اكتشاف كيفية تطور المرض وخطورته، ورغم اكتشاف عقار البنسلين واستخدامه بنجاح في علاج مرض الزهري عام 1952، رغم كل ذلك، ورغم عدم وجود فائدة حقيقية من هذه الدراسة، ورغم تساقط أغلب مرضاها قتلى، إلا أن الإدارات الطبية المتعاقبة على الإشراف على الدراسة ظلت مصممة على استكمالها ضاربة عرض الحائط بكل القيم والأعراف الإنسانية والعلمية.
الغريب أن هؤلاء المرضى كان يتم خداعهم عندما يذهبون للمتابعة الدورية بالمستشفي بإعطائهم كبسولات فارغة وعمل الفحوصات الدورية لإيهامهم بحصولهم على رعاية طبية فائقة، واستمرت هذه الدراسة العنصرية البغيضة حتى أفاق أحد المشاركين فيها في عام 1972 فسرب معلومات عنها للصحافة ووسائل الإعلام، فثار الرأي العام.
الغريب أن الدراسة لم تتوقف إلا في عام 1973 وقد مات أغلب مرضاها رغم توفر العلاج الناجع لمرضهم، وانتظرت أمريكا حتى نهاية القرن العشرين عندما ظهر الرئيس الأمريكى كلينتون أمام عدسات التلفزيون والمصورين مع أحد المتبقين من هؤلاء المرضى، ليعلن اعتذار الأمة الأمريكية عن هذه الجريمة العنصرية البغيضة التي يتبرأ منها العلم والعلماء.
نعم استطاع الغرب أن يطور قوانين صارمة في مجال البحث العلمي لتحمي الإنسان مما قد يصيبه من تلك التجاوزات الخطيرة اللاأخلاقية لبعض هذه الدراسات، إلا أننا يجب أن نتذكر أن دماء كثيرة سالت حتى نصل لما نحن عليه، وليبقى الأمل أن تتساوى إنسانية البيض ونحن الأجناس الأخرى أمام تلك البحوث والدراسات العلمية.
.
وللحديث بقية.