ديموقراطية تونس.. بارقة أمل عربية
الجمعة، ١٩ ديسمبر ٢٠١٤
انطلق قطار الديموقراطية التونسية في محطته الأخيرة أمس بإدلاء الناخبين في الخارج بأصواتهم في مراكز الاقتراع لاختيار رئيس جديد من بين المرشحين للانتخابات الرئاسية؛ زعيم حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي، والمرشح المستقل محمد المنصف المرزوقي، وذلك تمهيدا للاختبار الأكبر عندما يتوجه غدا نحو 5 ملايين ناخب لصناديق الاقتراع، في إطار أفضل الانتخابات العربية وأكثرها نزاهة وشفافية لعصر ما بعد الربيع العربي في 2011.
الانتخابات التونسية الأخيرة، وضعت أسسس إمكانية تطبيق النظام الديموقراطي في مجتمعات الشرق الأوسط، بعد الإخفاقات الكبيرة التي ابتليت بها هذه المجتمعات بعد ثورات وانتفاضات شعبية أطاحت بالنظم الفاسدة التي أطبقت على أنفاسها عقودا من الزمن، وخلفت دولا هشة وأخرى فاشلة.
دول الربيع العربي ما زالت حتى الآن تعاني من تداعيات ثوراتها على الحكام، سواء في مصر التي استردت عافيتها بعد عام من حكم الإخوان، أو سوريا التي تنزف، أو اليمن التي سقطت في قبضة الحوثيين، أو ليبيا التي تتقاتل فيها الميليشيات المسلحة، وفقدت الدولة هيبتها أمام الميليشيات المتشددة والمتطرفة وأحالت البلاد إلى أكبر بؤرة للإهارب في القارة الأفريقية والشرق الأوسط.
تونس استثناء من كل ذلك، فقد خطت خطوات كبيرة نحو الاستقرار، ورسمت بعد مخاض نحو 4 سنوات طريقا واضحا لحياة سياسية مستقرة، تكاتفت فيها كل القوى السياسية نحو العمل بقلب واحد من أجل مصلحة البلاد. والفضل في ذلك يعود أولا إلى الناخب التونسي الذي عرف جيدا من يعمل لمصلحة البلاد ومن يحاول أن تعمل البلاد لصالح أجندته. لذلك كان الناخب التونسي أقدر من غيره على الإصرار على إزاحة القوى السياسية التي تعرقل مسار ديموقراطيته، وبالطرق السلمية، واختيار الأنسب من القوى السياسية الأخرى ليقود البلاد في تلك المرحلة. وانطلاقا من ذلك رفض الناخب التونسي ادعاءات القوى الإسلامية بعدما عانى من أسلوب حكمها خلال الفترة الانتقالية، والتي شهدت مقتل المعارضين السياسيين، ومحاولة تكميم الأفواه بدعاوى إسلامية باطلة.
في المقابل، اتسمت حركة النهضة الإسلامية بقيادة راشد الغنوسي بقدر من الذكاء للاستجابة إلى رغبات الناخبين، وعدم التمسك بالأوهام عندما اجتمعت الأمة على تغيير حكومة النهضة بأخرى ائتلافية، وأيضا عندما اعترفت بخسارتها في الانتخابات البرلمانية أمام حزب نداء تونس، وثالثا عندما رفضت الدفع بمرشح من الحركة في الانتخابات الرئاسية. فهنيئا لتونس بمستقبل ديموقراطي، لعله يكون بارقة أمل عربية.