هيا بنا نلعب..!
الأربعاء، ١٨ مارس ٢٠١٥
تردّدَ هذا الهتاف في إحدى كوميديات المسرح المصري الشهيرة على لسان عملاق الكوميديا عادل إمام. وهي عبارة غير مضحكة في حد ذاتها، ولكنها كانت مضحكة في المسرحية بسبب خرقها لسياق جاد ووقور ومفارقتها له. فاللعب – من وجه ما - دلالة هزل بمقياس الجدية، ودلالة حرية في مقابل سجن العمل، وفضاء ابتهاج على الضد من كآبة الرتابة ومحدوديتها. وهو فسحة وعفوية متدفقة بالتغير والمغامرة والاختيار والرغبة... بما يجاوز الاضطرار والجبر ويتخفف من أعبائهما.
ومن هنا يغدو اللعب حاجة إنسانية؛ لأنه حاجة إلى التجدد والنشاط. حاجة إلى كسر شرنقة الزمن التي تلتف على الكائن فيفقد حسه بالزمن ويتكلس. حاجة إلى الحس الاجتماعي فلا أحد يلعب وحيداً إلا على سبيل تخيل مشارك له في اللعب. ومن المؤكد أنه – في العمق من ذلك - حاجة عملية؛ فهو ينعكس على الجهد العملي؛ ينشطه ويقويه ويمنحه بصيرة وحساً متجدداً، ويزيح عنه الملل والسآمة. ولذلك كانت الإجازات – فيما كانت - استبصاراً نافذاً في الإدارة الحديثة سواء من جهة سيكولوجيا الموارد البشرية، أم من جهة الحسابات البراجماتية للأداء العملي والإنتاج والتجدد الذهني والحيوي.
وطبيعي أن يكون كل حديث عن اللعب بالمعنى الإيجابي فرع الحديث عن أداء مهمة، والالتزام بواجب، وتحمل أعباء مهنية. فلا نتصور إنساناً سوياً تتسع كل حياته أو أغلبها للعب، وهل يسوغ في مثل هذه الحالة أن نسمي نشاطاً يستغرق أغلب حياة الإنسان لعباً؟! لا بد أن يكون اللعب بصفاته المذكورة أعلاه الاستثناء وليس القاعدة، وبعض الأوقات لا كلها. تماماً كما هي الحياة العملية والجدية التي لو استغرقت حياة الإنسان كلها لغدا هذا الإنسان آلة لا إنساناً له أشواقه وحريته وأحاسيسه...!
وإذا وعينا ذلك فإن علينا أن نعي أيضاً، أن اللعب لا يمكن تحديده في شكل ولا اختصاره في لعبة واحدة؛ فهو أشكال لا يكاد العد يحصيها. فالضحك على طرفة لعب، وقراءة قصة أو قصيدة شعرية تمتع قارئها وتلذُّه تحقق له ممارسة لعبية. والكلام الذي يأخذ شكل السواليف والأسمار لعب، وأحلام النائم لعب يحقق للنائم الإشباع والتنفيس في فسحة من قيد الوعي ومتاعبه، وكل نشاط جسدي أو اختلاج شعوري خارج مدار القهر والاضطرار لعب، وتزداد حقيقته اللعبية بمقدار أثره السار. والصغار يلعبون والكبار يلعبون، والطيبون يلعبون والأشرار يلعبون، والأغنياء يلعبون والفقراء يلعبون...! وأحسب أن اللعب حين يتحول إلى وظيفة أو مهنة نفعية، يخرج عن شرطه الحر والمجاني، فلا يغدو لعباً. فلاعب الكرة الموظف في لعبه لا يلعب وإنما يعمل، والمغني أو العازف الذي يغني أو يعزف، ممارساً لوظيفة أو مهنة عملية مفروضة، هو أشبه بالنجار أو البنّاء أو غيرهما من أصحاب الصناعات النفعية. نعم، هذا النوع من العمل نوع فني ويمكن أن يكون لعباً في مسافة العلاقة بالدهشة والمتعة بين أصحابه والمتلقين له.
التقابل بين اللعب والجد العملي والمهني، ليس حدياً، كتقابل النفي والإثبات، والوجود والعدم؛ فأقصى درجات النجاعة العملية، تتحقق حين يصبح العمل رغبة ومحبة وتجدداً. والمدرس -مثلاً- أكثر عملية حين يحيل وجوده في فصله إلى ممارسة لعب بمشاركة طلابه ومحاورتهم واستثارة بهجتهم وشهيتهم التي هي بهجته وشهيته... وإني لأرجو أن تكون الإجازة لطلابنا ومعلميهم، فضاء للعب الذي تشرطه جدية العمل وتنشرط به.