السيطرة على "الحيز"

تقوم الحياة الاجتماعية على التبادلية والاحترام، فكل شخص يعطي الآخرين ويأخذ منهم، ولا يمتلك أيٌ منهم حيزاً أكبر من الآخر إلا في ضوء معيار الجدارة والاستحقاق. ولذلك يعرف الباحثون «التبادلية» بأنها إتاحة الفرصة للتساوي في القدرات، والقوة في كل التفاعلات، ومن هنا يمكن أن تعلو الأصوات دون أن يسيطر عليها أحد، لأن الجميع يتساوون في حجم القوة التي يتفاعلون بها. ويتوقع في هذه الحالة أن تكون الأصوات مسموعة، وأن لا يحجب صوت أحد عن أن يجد لنفسه حيزاً يسمع فيه.
في وجهة نظري أن المؤشر الصحيح على قدرة الأفراد على الأخذ والعطاء لا بد أن تأتي في إطار معايير متساوية بحتة، ولذلك فإن التبادلية لا تتضح إلا في إطار الاحترام المتبادل، أو الإيجابية المسؤولة، والتي توجد عندما يميل أحد الأشخاص إلى التخلي عن الأنانية الفردية، ويخلق لنفسه مساحة كافية كي يستوعب ثراء الأصوات من حوله. وهي تدعم التبادلية، لأنها تدفع الفرد إلى أن يتخلى عن التصورات الجامدة في عقله، وألا يفرض على الآخرين طريقة معينة في العمل، وأجندة معينة في السلوك. ثمة مساحة هنا لكل صوت، ولكل إنجاز، ولكل مبادرة، فلا أحد يسيطر على الحيز أبداً.
لكن السؤال المهم هنا: هل مفهوم التبادلية والاحترام في مجتمعنا غائب؟
بدون شك أن الإجابة هي «نعم» غائب لحد الإقصاء في «الغالب»، ولعل ما يحصل كل سنة في معرض الرياض الدولي للكتاب من إقصاء لفكرة التعددية في الآراء، وعدم احترام كل صوت له وجهة نظر مخالفة للطرف الآخر، ومحاولة تغليب كتلة على أخرى، لهو كفيل بتعزيز الانحياز والافتراق بدلاً من التبادلية والاحترام. وقس على هذا الكثير في جل تعاملاتنا مع بعضنا بعضا.
في الحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في إقصاء الرأي، إنما هناك «إقصاءات» أخرى بدرجات متفاوتة على مستوى المناطقية، القبائلية، المذهبية، وهي مكونات مؤثرة، تغليب فئة منها على أخرى هدم لمنظومة قيم الإنجاز والتقدم.
قيم التعاون، واحترام الآخرين، وقبول فكرة التعددية، هي من تزيح فكرة السيطرة على «الحيز» أو استبعاد الآخرين منه، فكل نفس من تراب هذه «الأرض» يجب أن تجد لنفسها تعبيراً داخله. وكل فرد من نسيج هذا الوطن يجب أن يحظى بفرص وظيفية متكافئة في داخله، وكل إقليم يجب أن يفرح بتنمية عادلة في هذا الحيز «المملكة العربية السعودية».