حين تختطف الميليشيا الشعب اليمني لتحتمي به
الأربعاء، ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦الحروب ليست اختبارًا للقوة العسكرية وحدها، بل امتحانٌ للأخلاق والقانون الدولي الإنساني وطبيعة الأطراف المتصارعة.
ففي الوقت الذي تلتزم فيه الدول والجيوش النظامية بقواعد الاشتباك وأحكام القانون، تلجأ بعض الميليشيات إلى أساليب تكشف حقيقتها وتعرّي مشروعها أمام العالم.
ومن أخطر تلك الأساليب استخدام المدنيين دروعًا بشرية، في محاولة لحماية المقاتلين والأهداف العسكرية على حساب أرواح الأبرياء.
إنها ليست مجرد مخالفة عسكرية عابرة، بل سلوك يقوم على استغلال الإنسان وتحويله إلى وسيلة للحماية والابتزاز السياسي والإعلامي.
فعندما تتمركز الجماعات المسلحة داخل الأحياء السكنية، أو بالقرب من المدارس والمستشفيات والمنشآت المدنية، فإنها لا تحمي السكان كما تزعم، بل تدفعهم عمدًا إلى دائرة الخطر وتجعل حياتهم رهينة لحساباتها العسكرية والسياسية.
وفي الحالة اليمنية تبدو هذه المأساة أكثر وضوحًا. فميليشيات الحوثي لم تكتفِ بإشعال الصراع وإطالة أمده، بل دفعت بالمجتمع اليمني إلى واجهة الخطر، مستثمرةً الكثافة السكانية والمرافق المدنية لتوفير الحماية لعناصرها وقياداتها.
وحين تقع الخسائر أو تتضرر الممتلكات، تسارع إلى تقديم نفسها في موقع الضحية، متجاهلة أن المسؤولية الأولى تقع على من حوّل المدنيين إلى ساترٍ بشري يحتمي خلفه.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى؛ فالجماعة التي تزعم الدفاع عن الناس هي ذاتها من تضعهم في مرمى الخطر.
فهي لا تتعامل مع المدنيين باعتبارهم مسؤولية يجب صونها، بل باعتبارهم أداة يمكن توظيفها كلما ضاقت الخيارات وتعقدت الحسابات.
ومن يفقد القدرة على حماية مشروعه إلا بالاحتماء بالأبرياء، يكشف عجزه قبل أن يكشف قوته.
ولذلك كان القانون الدولي الإنساني واضحًا وحاسمًا في تجريم استخدام الدروع البشرية، وإلزام أطراف النزاع بالفصل بين المدنيين والمقاتلين وتحييد المرافق المدنية عن الأعمال العسكرية.
فحماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا أو تكتيكًا ميدانيًا، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يسقط تحت أي ذريعة أو مبرر.
ومن هذا المنطلق يبرز الموقف السعودي بوصفه موقف دولة شقيقة تدرك الفارق بين الشعب اليمني والميليشيا التي اختطفت قراره.
فالمملكة لم تنظر إلى اليمنيين يومًا باعتبارهم خصومًا، بل بوصفهم شعبًا تجمعها به روابط الجوار والمصير والتاريخ.
ولذلك دام حرصها على سلامة المدنيين اليمنيين كجزء أصيل من معالجتها للأزمة، بالتوازي مع حقها المشروع في حماية أمنها الوطني ومواطنيها من التهديدات العابرة للحدود.
وتبدو الصورة أكثر وضوحًا حين تُقارن الجهود الإنسانية والتنموية التي قُدمت لليمنيين بالهجمات التي استهدفت المدن والمطارات والمنشآت المدنية داخل المملكة.
فثمة من يعمل على احتواء آثار الأزمة وتقليص معاناة الناس، وثمة من يوسّع دائرة الفوضى ويغذي أسبابها ثم يحاول تسويق نتائجها سياسيًا وإعلاميًا. وستظل الحقيقة الأوضح أن اليمن أكبر من الحوثي، وأن الشعب اليمني هو الضحية الأولى لهذا النهج. أما المستقبل فلن يكون لمن اختطف الدولة واتخذ من المدنيين دروعًا بشرية تحميه، بل لمن انتصر لسيادة الدولة وكرامة الإنسان وحق اليمن في استعادة قراره بعيدًا عن سطوة الميليشيا ومشروعات الفوضى.