صنع الذات

صنع الذات والاعتماد عليها فن رائع لا يجيده إلا المتفردون بالتميز..فمن الجميل عشق الذات بطريقة إيمانية لا خلل فيها ولا نرجسية، فحبها والاكتفاء بها من الإيمان، ودمجها مع العالم الخارجي بثقة يهيء لها فرصا في التميز وإثبات قدراتها تعتلي به مكانا ومقعدا بين القادة المتميزين.
كيف يهيئ المرء نفسه ويستعد لذلك؟ مما لا شك فيه أن مثل هذه الأسس تجعل للنفس قواعد ثابتة صلبة قادرة على التصدي لما قد يحدث بشكل مفاجئ وغير متوقع، لذلك تحتل النشٲة الأولى الأهمية العظمى في تكوين شخصية الإنسان منذ الصغر على مبادئ وتعاليم من شأنها الحفاظ عليه ومساعدته في الإقبال على الحياة، ومع الأسف لا يدرك كثيرون مدى أهمية هذا التأسيس للإنسان في الصغر عندما تتهيٲ لنا البيئة السليمة المتوازنة.
تحمل الصعوبات والإقدام عليها بكل شجاعة وثقة مثلا يعتمد على تكوين وتدريب النفس في مواجهة الأحداث المتسارعة من خلال المعالجة برؤية معينة تعطي الحلول بطرق إيجابية للحد منها، وباعتقادات شديدة الإيمان بالفكرة التي تستند عليها في حل مشاكلها.
الانخراط في المجتمع بهذا التكوين والركائز السليمة يجب أن يؤسس على سلامة البيئة الأسرية، التي يعود نفعها على المجتمع بأسره الذي يحمل هو الآخر شرائح متنوعة من الناس قد يصطدم بهم الشخص لاختلاف المفاهيم لديهم ولسوء معتقداتهم ومدى خطورتهم على الفرد، فهل لهم دور في ذلك؟ هؤلاء الناس باستطاعة المرء التعرف عليهم بمجرد التعامل معهم ولو لساعات محدودة، فهم بارزون في اتحادهم الاعتقادي بذواتهم، ومتفقون على الإيمان بنقصهم والقناعة التامة بضرورة التبعية لغيرهم لما يعود عليهم بالمصلحة، وهذا بحد ذاته كفيل بتدمير النفس وتشعب اتجاهاتها في إخفاقات وانهزامات متتالية، وإن حرص المرء على متابعتهم وتقصي حقائقهم فلن تنتهي رحلة بحثه بسهولة والأمثلة كثيرة لدراسة أوضاعهم ومعرفة الأسباب الجوهرية وراء هذه الأفكار المضللة للنفس والمجحفة في تطلعاتها.
وخير مثال مع الأسف الشديد لمثل هذه الأمور هي المرأة بشكل عام والزوجة بشكل خاص، مع تفهمي التام ومعرفتي بأنه ليس كل النساء على هذا النحو من الانهزام والتبعية العمياء، هناك أسماء وشخصيات سطر لها التاريخ عظيم الإنجازات غير أن النجاحات الفردية ليس من شأنها تغطية كثرة الإخفاقات الجماعية للأغلبية الساحقة، وانتسابها لهم عامة يوقع الظلم على نجاحات غيرهم وتميزهم، للنساء نظرة مغايرة في الارتباط وما يترتب عليه، وبتحديد ما يتعلق بشريك العمر المنتظر، فقد عاشت عمرا قبل الارتباط تنتظره بفارغ الصبر، ورسمت له صورة ملائكية تستطيع من خلالها التخلي عن كل الأحلام وطموحات المستقبل لمجرد وجوده يوما ما لأنها وبصراحة شديدة اختزلت تحقيق ذاتها في ذاته هو! فكأنه نوع من الانسلاخ النفسي والتخلي عن الكيان الداخلي بصورة جائرة، في حين نجد أن الرجل يختلف تماما في نظرته للأمور ودراسته للمستقبل، فهو يختلف قليلا في تقديم المهمات التي بدورها تخدمه للوصول إلى تحقيق الذات ابتداء من الاستقلال المادي والتحصيل العلمي، يستطيع أن يتمتع بعدها باكتفاء ذاتي نشأ من خلال اعتماده على نفسه المحاطة بحبه الشديد لها.
فصنع المجد وبلوغ الطموحات والتطلعات المستقبلية واجب فردي لا علاقة له بغيره، فالمرأة مطالبة بذلك في كل أحوالها مع وضع الفارق والتمييز بين قوامة الرجل عليها وحقيقة واجباته تجاهها، وبين استقلالها الذاتي بكل أوجهه المختلفة والمتعددة كي تعرف الأمور وتتضح المهام الحقيقة، فليس من العدل أن نسلم كل الأمور للآخرين بسبب النقص وقلة الكفاءة، فالأجدر التحرك ولو بشكل خجول.