عندما نطقت الحكاية وصمت الغذامي

حكاية الحداثة لم تعد كتابا نقرؤه لرمز الحداثيين عبدالله الغذامي، ولكنها أصبحت قصصا وحكايا تعود من خضم ذلك الزمن البعيد.
في كتابه حكاية الحداثة كان الغذامي هو البطل في مسرح الصراع، فكان يجابه وحيدا على كافة الأصعدة، ولكن أين بقية شخوص الحكاية، ولماذا صمت الغذامي عنهم؟مما لا شك فيه أن الغذامي عانى مع التيار المضاد، ولكن أين بقية الأسماء! لماذا تأتي على هامش الأحداث في حكاية الغذامي، وهو كتاب يفترض أنه يؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الفكر والثقافة في المملكة العربية السعودية؟ أين هم من حكاية الحداثة، أين معاناتهم، أين أحلامهم التي وئدت، وأين طموحاتهم التي اغتيلت ..لماذا صمت الغذامي عن كل هذا؟نكتب عن الحداثة وقد تم تجاوزها، وغدا العالم يعيش ما بعد الحداثة، ولكن الغريب أن حكاية الحداثة لم تنته، ولم تصمت، لقد عادت لتنطق عما سكت عنه الغذامي، لتخبرنا عن معاناة غير معاناته، وعن جيل شاركه كتابة حكاية الحداثة، جاءت من خلال ذلك الوسم الذي نطقت فيه الحداثة لتريح ضميرها المثقل قائلة: أعيدوا الدكتوراه للسريحي، لتخبرنا أن هناك قصصاً لم تمت، وأن هناك حكايا للسريحي والدميني والثبيتي وغيرهم، لم يروها الغذامي في كتابه، عادت لتكمل بقية الحكاية.
اختارت الحكاية السريحي، وأطلعتنا على معاناته التي جعلته بطل تلك المرحلة، بطلاً حقيقياً وليس بطلاً من ورق، فقد خاض معركته مع التيار المضاد في عقر داره، وجابه منهم التعنت والظلم والإقصاء في أبشع صوره، حرم درجته العلمية، وأرغم على عدم المطالبة بالترقية العلمية لو نال الدرجة، وحيكت ضده المؤامرات، وكتبت ضده التقارير، وحرض عليه حتى لا ينتقل لجامعة أخرى، ومع ذلك ظل ثابتا، واستمر صامدًا ليخرج من الجامعة متقاعدًا منها بعد صراع طويل لم ينتصر فيه، ولكنه لم يهزم، فقد استمر عطاؤه على ساحة النقد الأدبي كرمز من رموز الحداثة في الوطن العربي.