الهلال والمدني.. وصداقتنا القاتمة!!

أعطوني جهازين غير الأمن لا نحتاجهما إلا وقت ضائقة وخطر محدق، ينطبق عليهما قولنا «الصديق وقت الضيق» أكثر من «الدفاع المدني» و»الهلال الأحمر» فهما صديقان لنا وشريكان في كثير من الحوداث، لكل منهما تخصصه في حالات الطوارئ، وإنقاذ الأرواح والممتلكات، ولهذين الصديقين مشاكلهما الخاصة التي تعيق جهودهما في تأدية مهام الصداقة على الوجه الأكمل، فمن قلة عدد المراكز، أو قلة العتاد، إلى التوزيع العشوائي، أو حتى ضعف التأهيل للكوادر.
لفتت نظري دراسة طبّقها الباحث حمد القحطاني من جامعة نايف على مدينة الرياض بعنوان «نمط التوزيع الجغرافي لمراكز الدفاع المدني وأثره على سرعة التعامل مع الحالات» خلص الباحث فيها إلى نتائج مهمة، أبرزها ضعف تأهيل بعض الكوادر، وعشوائية توزيع المراكز، حيث رصد حاجة مدينة الرياض إلى 94 مركزا في وقت الدراسة، وهذه الحاجة تأتي وفقا للمتبع عالميا بألا يتجاوز زمن وصول فرقة الدفاع المدني خمس دقائق من لحظة البلاغ. ثم ارتفعت هذه النسبة إلى 111 مركزا في مدينة الرياض فقط عند الباحث د. ناصر الزير من جامعة الملك سعود بعنوان «التقييم الجغرافي لتوزيع مراكز الدفاع المدني بمدينة الرياض: دراسة في جغرافية الخدمات»، ومن هاتين الدراستين نخلص إلى الأهمية القصوى في نشر مراكز الدفاع المدني وفق المعيار الدولي لزمن الوصول، فما حاجة الناس إلى أصدقاء يأتون فقط لإطفاء الجمر، بعد أن التهم اللهب كل شيء، أو انتشال الجثث، وكتابة التقارير!!
أما صديقنا الهلال الأحمر، فلم أجد دراسة وافية عنه كالدراسات الأكاديمية السابقة، لكن المثير أن طائرات الإسعاف الطائر «مستأجرة» وعددها الحالي 13 طائرة فقط، وكشف تقرير في صحيفة الحياة عن حاجة الهلال الأحمر إلى 44 طائرة إضافية، وأنه يحتاج أيضا إلى زيادة مراكزه داخل المدن وخارجها، حسب توصية مجلس الشورى، ويلاحظ المواطنون تأخر الفرق الإسعافية، وقلة تواجدها على الطرق السريعة والطويلة، وكذلك في القرى والهجر النائية، وهذا الضعف ثمنه أرواح المواطنين التي لا تقدر بثمن.
هنا يظل المرء حائرا، أتظل الأرواح مرهونة بخطط توسع نشر خدمات الصديقين؟ وعلى افتراض انتظارنا خطة عشرية تغطي مساحة معقولة من الوطن، فهل يضمن أحد توقف النمو السكاني، والعمراني، وخمول الكوارث الطبيعية؟
نحن في أمس الحاجة إلى اتخاذ حلول سريعة لهذه المعضلة، أولها كالمعتاد مضاعفة الدولة دعمها للجهازين واعتبار التوسع فيهما أولوية وطنية، ثم أن يتحرر أثرياء الوطن من حصر رؤيتهم للأعمال الخيرية في حفر بئر أو بناء مسجد أو توزيع نقود على الفقراء، ويوجهوا تفكيرهم إلى مصالح الوطن الكبرى، فتاجر العقار يستطيع أن يخصص قطعتي أرض للدفاع المدني والهلال الأحمر، وشركات البناء تستطيع بناء مراكز خاصة، وتاجر السيارات يستطيع التبرع بسيارات مجهزة ومعدات، ورجل أعمال مقتدر لا تؤثر في ميزانيته طائرة إنقاذ صغيرة، أو التكفل بتجهيز مركز متكامل، وسيكون لزاما على الدولة تأهيل وتوظيف الكوادر المناسبة، فهذا العمل الخيري المستديم ينقذ أرواح أبناء الوطن، ويحقق للشركات ورجال الأعمال قيمة معنوية وهم يؤدون واجباتهم ومسؤوليتهم الاجتماعية تجاه الوطن وأبنائه. كذلك بقية المواطنين من ذوي الدخل المحدود لن يقفوا مكتوفي الأيدي إذا فتحت قنوات الدعم الشعبي لأجهزة تقدم خدماتها المهمة لإنقاذ أرواحنا وممتلكاتنا.
ثم يجب أن يستثمر صديقانا الوعي الاجتماعي المتنامي بأهمية العمل التطوعي، ويفتحا مراكزهما التدريبية لتدريب الشباب والشابات من خلال دورات تناسبهم للقيام ببعض المهام الإنقاذية التي تساندهما في الميدان، فلدى كثيرين من الشباب الحماسة والحس الوطني العالي للقيام بمهام الجهازين، كما نلاحظ في كثير من الحوادث، حتى إن بعض المتطوعين يفوق الفرق المنقذة براعة. وأخيرا، ليت صديقنا الدفاع المدني يتبنى المخترعين وأفكارهم المتعلقة بمهامه الإنسانية، ويقدم لهم الدعم ومراكز الأبحاث الملائمة في شراكاته مع رجال الأعمال الوطنيين والمؤسسات المهتمة.