هَدْيُ الاقتداء
الثلاثاء، ١٠ مارس ٢٠١٥
إن مسيرة العقل الإنساني وسيرته الأولى في قوم:
كانوا أهل ضلال وطغام.. وأدوا، قتلوا، هتكوا الأعراض ببادية
نصبوا الأزلام... جعلوا لموائد سكرهم أقداح مُدام
سلبوا من مر بقافلةٍ وأضلوا العير عن الإقدام..
وهنا الأقدام والأفهام مصفدةٌ سواء بسواء، فكان الواحد منهم يصنع معبوده من التمر حتى إذا جاع أكله! أين من ذلك عقل وخصائص ومقومات الإنسان التي خصّه الله بها بين خلقه؟ بل كان الإنسان يحفر الحفرة في باطن الأرض ليدفن فيها ابنته وهي ما زال ينبض فيها ترياق الحياة، فأي مرتع بهيم وأي تفكير سقيم هوى بصاحبه إلى قاع التخلف الآسن وأخذ به إلى هذا التيه والعبث الفكري والإعاقة الذهنية التي عطّلت أخص الخصائص التي كُرم الإنسان لأجلها وهي أنبل وأكرم ما في هذا الإنسان والذي رُفع شأنا لأجلها! وحديث الوأد يطالعنا لنرى الإحساس المتبلد مثل الجلمود
والطفلة تصرخ صرختها ينعيها الخوف على جرفٍ وعلى الأخدود
بالدمع تودعها الدنيا والعقل الحجري المنكود
يتشبث بالفكر الأعمى فظٌ أدمى قلب صغيرة..
وأهال رغاما بيديه وحشٌ جلاد
ما رق القلب لفلذته بل صار جماد
وستسأل عن أي ذنوب وستسأل عن أي حصاد
يتجنّى الإنسان كثيرا ويقتِّل فلذ الأكباد.
فهكذا كان الإنسان قبل أن يمتن عليه الرحمن بنعمته التي أتمت النعم إلى البشرية جمعاء ومن أخذ بها سلم، فوجهت المشيئة جماعة من الخلق كانوا على هذا الحال المشين، وسفه للعقل البشري مهين، فأخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
تربوا على منهج الدين الحنيف وأخذوا ينهلون من نبعه الرائق ومن مشربه العذب ومن رافده الدائم الذي لا ينضب، هؤلاء هم جماعة الموحدين الذين جاؤوا من تعاليم دينهم وفضائله لا من عند أنفسهم وأهوائهم، فكان الرجل منهم يتحرك بوازعٍ ديني ويسكُن بآخر، حتى سلاحهم وقت الفتوح لم يكن سلاحا عبثيا يروّع ويقتل ويخرب ويدمر كل شيء أتى عليه، إنما كان ينبعث بريق النور من حدّه المسلول الذي جاء ليحطم به السلطان المادي الذي أعطى لنفسه زورا وبهتانا حق الحاكمية العليا في الخلق، ويومئذ جاءت هذه الكوكبة من الأجلاء الفاتحين كي يُلقوا بهذا الجور إلى الجحيم لتدخل بعده مرحلة البيان والتبيان للناس يبصرونهم ويدعونهم لما في هذا الدين من الخير وصلاح البشرية، فإن رضوا بالإسلام دينا فالحمد لله، وإن لم يرضوا فهم وما شاؤوا (لا إكراه في الدين).
إن جماعة المؤمنين الفاتحين كانوا إذا سلوا السيف سلوه بقانون وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون، فصارت سيوفهم نفسها ذات أخلاق، فيكاد الضمير البشري الجديد يحمل سلاحا ليضرب صاحبه إذا همّ بمخالفته، فكانوا رضوان الله عليهم أطهر من حبات الندى على غصونها، فهم قد أقبلوا على مجالس التربية والتعليم المحمدية لا للترف والمتاع الذهني إنما كانوا يتعلمون ليعملوا.