تاريخ تركيا البشع في الوثائق المزورة
الثلاثاء، ١٠ مارس ٢٠١٥
محمد بارانسو، الصحفي التركي الذي صنع شهرته سابقا من خلال نشر وثائق عسكرية سرية، تم اعتقاله في وقت مبكر من هذا الأسبوع بتهمة تزويد صحيفة «طرف» اليومية بالوثائق التي نشرتها وأحدثت ضجة كبيرة. بدت الوثائق وكأنها تقول إن ندوة قدمها الجنرال شيتين دوغان في 2003 حول محاكاة الكترونية لحرب مفترضة كانت في الواقع «خطة انقلاب». هذا الكشف الإعلامي تحول فيما بعد إلى محاكمة قانونية. اعتُقِل مئات الضباط ووضعوا في السجن. الديمقراطيون المناهضون للمؤسسة العسكرية في تركيا صفقوا لهذه الضربة لمؤسسة اعتادت أن تكون متغطرسة ولا يمكن لأحد أن يلمسها. لكن البعض في المؤسسة شعروا بشكوك حول مدى دقة الاتهامات وشعروا بالاضطراب بسبب انتشار روح الانتقام بشكل عام. بعد ذلك بفترة وجيزة، ادعت ابنة الجنرال شيتين دوغان وزوجها أن الوثائق المقدمة ضد الجنرال، والتي أُعطيت للصحفي بارانسو في حقيبة كبيرة، هي وثائق مزورة. وفي حين اعترف الاثنان أن محتوى الندوة التي قدمها الجنرال كان سياسيا لدرجة غير مقبولة في نظام ديمقراطي، قدم الزوجان كثيرا من الأدلة التي تبين أن الوثائق الرقمية الأكثر إثارة – مثل محاكاة قصف مسجد في إسطنبول وإسقاط طائرة تركية مقاتلة واعتقال آلاف الناس من ملعب لكرة القدم - تم تحضيرها بعد الندوة بسنوات. من الواضح أن جهة ما تلاعبت بالأدلة ضد ضباط الجيش وأرادت أن ينتهي بهم الأمر في السجن.
وفي ذلك الوقت حذّرتُ في مقال لي من احتمال وجود تزوير في الوثائق وعارضت وضع الضباط في السجن في فترة المحاكمة. لكن لم يرغب أحد من حزب العدالة والتنمية ومؤيدوه سماع مثل هذا الكلام في تلك المرحلة. ولكن بعد اندلاع الحرب بين حزب العدالة والتنمية والعالم الإسلامي فتح الله كولن الذي يعيش في الولايات المتحدة، لاحظ حزب العدالة والتنمية فجأة أن الوثائق كانت جزءا من مؤامرة ضد الجيش من قبل صديقهم الذي تحول إلى عدو. هذا الوضع الجديد أدى إلى اعتقال بارانسو، الذي يعدّ من الموالين لحركة فتح الله كولن. وقد يكون هناك مزيد من الاعتقالات على الطريق.
في هذه النقطة، أريد أن أشير إلى أمرين: أولاً، أعتقد أن جهة ما زوّرت فعلا الوثائق السرية، وأن هذه الجهة تنتمي إلى ما يسميها حزب العدالة والتنمية «الدولة الموازية». الأشخاص الذين قاموا بالتزوير يجب القبض عليهم ووضعهم في السجن بالتأكيد. لكن بارانسو والصحفيين الآخرين يجب ألا يُحاكموا لمجرد أنهم نشروا هذه الوثائق، إلا إذا ثبت أنهم كانوا يعرفون أنها مزورة. الأمر الثاني هو أن قضية الوثائق المزورة ليست قضية معزولة. في 1998، زور الجيش وثائق ليثبت أن بعض الليبراليين كانوا عملاء مأجورين لحزب العمال الكردستاني PKK. وفي الشهر الماضي، نشرت صحيفة موالية لحزب العدالة والتنمية وثائق يفترض أنها تثبت مؤامرة مشتركة من قبل حزب الشعب الجمهوري المعارض وفتح الله كولن لاغتيال سمية إردوغان، ابنة الرئيس التركي. لا أحد بكامل عقله أخذ السيناريو على محمل الجد.
نحن في تركيا لا نملك ثقافة مبارزة. نحن نملك ثقافة كمائن. ربما لهذا السبب أصبح لدى تركيا ثقافة بشعة من الوثائق المزورة.