الزيف المؤقت
الاثنين، ٣ فبراير ٢٠١٤
تتشكل رؤية الإنسان للأشياء من حوله وموقفه منها تبعا لما تصادفه حواسه من مظاهرها، وتبعا لما يسمعه ويقرأه مما يعبر عن رؤية غيره لها، وهو في الحالة الطبيعية يقوم بتمرير ذلك كله على جملة من المسلمات العقلية والقواعد الأخلاقية والقناعات الشخصية التي يستبطنها، والتي هي في عناوينها مما لا يختلف كثيرا بين الأشخاص الأسوياء ليتكون لديه في النهاية موقف ما منها، ويختلف الناس تبعا لمدى قوة بعض هذه الموجهات والمؤثرات على شخصيته ومواقفه، فمنهم من لديه استقلال شخصي تام في نظره للأمور ومنهم من لديه عاطفة غالبة تتجاوز المعايير العقلية والمنطقية، ومنهم من لديه منطق عقلي محايد لا تتحكم فيه العواطف المجردة، ومنهم في الجهة الأخرى من هو أسير لرؤية وموقف غيره ويكاد يكون خاليا من القدرة على التمييز والتفكير المستقل أو لديه بعض قدرة ولكنه منها في شك دائم حتى لم تعد ذات أثر، وهذا الصنف الأخير هو مع كل أسف ما بات محلا للعبة الإعلامية في كل اتجاه، حيث تقوم في فكرة التوجيه الإعلامي على محاولة استمالة أكبر قدر من الناس من هذا النوع من حيث تشكيل وعيهم ومواقفهم من قضايا بعينها والتركيز على ذلك بكل الوسائل الممكنة بصرية وسمعية، وتكرار ذلك من زوايا متعددة وتضخيمه بحيث تتم محاصرة ذهن المتلقي به زمنا طويلا وعدم التشويش عليه ببث ما يخالفه ليتحول هذا المحتوى مع الوقت إلى قناعة لدى الشخص وإن اختلفت درجة الإيمان بها، وكل الدراسات العلمية المعاصرة تشير إلى خطورة الآلة الإعلامية فعلا تجاه تشكيل الوعي العام ابتداء من بث المظاهر الدعائية العابرة للتدخين مثلا وانتهاء بالمواقف المعادية لأيديولوجيات وتوجهات فكرية وسياسية، ولذلك كانت الحرية الإعلامية الآن مطلبا دوليا وحقوقيا باعتبارها مفضية إلى توازن الصورة ومعينة على الوصول إلى الحقيقة وهو حق أصيل للمتلقي، والحرية الإعلامية باتت أمرا مفروضا على الدول الآن بحكم الأمر الواقع سواء على المستوى الفضائي أو على مستوى الإعلام الجديد مما بات معه المسلك الأحادي القديم ضربا من الوهم وأصبح الرضوخ لهذه الحقيقة العصرية أمرا لا مفر منه بحكم الواقع، الغريب حقا أن أولئك الذين لا يريدون التسليم بهذا الواقع الجديد قد خلقوا من حيث لا يشعرون حالة من الرفض والشك الدائم والمتصاعد فيما يقدمونه حتى ولو كان صوابا ففقدوا البقية الباقية من التأثير وهم مع الخسارة المادية الهائلة يسيرون عكس التيار وخلافا لمعطيات الواقع، ونشهد الآن وعلى مستوى العالم ما يمكن تسميته بتحدي (الحقيقة) فالحقيقة والحقيقة فقط هي ما يمكن أن يصمد في ساحة الإعلام حتى مع الزيف اللحظي الموقت
jameel.a@makkahnp.com