آنَ أن تسترد الجامعة ضميرها

هل كان سعيد السريحي يستشرف المستقبل حين اتخذ مفردة «الأزمة» عنوانًا لفصل من فصول رسالته للدكتوراه؟ وهل كان ذلك الشاب الذي بلغ، آنئذ، الخامسة والثلاثين من عمره، يجول في خاطره أن تتحول أطروحته عن الشعراء المحْدثين في العصر العباسي إلى «أزمة» ضمير، كما أحدث شعراؤه الذين هام بهم «أزمة» في لغة الشعر؟كانتْ «أزمة» الشعراء المحدثين حادة جدًّا، وكان أعمق ما بلغته أن تفجرت في استعاراتهم وتشبيهاتهم ساخطة راعبة، فيها سؤال حائر، عن جدوى شعر «لا يباع ولا يعار»، وجفل لا يلبث أن يستخفي حتى يظهر عنيفا جبارا، وحين أحس منشئوه الخيبة والخسران، آبت القصيدة إلى نفسها، فبُغاة الندى عَزُّوا، والذين يهزّهم القصيد ذهبوا.
وأطروحة سعيد في الدكتوراه، تنطوي على شعور يظهر دونما استخفاء بـ»أزمة» هي من أعمق «الأزمات» وأخطرها في درس الأدب ونقده، همّها أن يتحول نقد الشعر عن أن يكون بحثًا عن تشبيهات عُقْم، واستعارات مستملحة، إلى مشارفة تلك اللغة التي يتجاذبها الشعراء، فإذا بسعيد يثور على نثرية النقد، ليبلغ غايته، كما بلغ شعراؤه غاياتهم، وليست غايته إلا مقاربة روح الشعر والبصر به.
وإحساس سعيد بالأزمة لا تحدّه رسالته في الدكتوراه، وإنما نظهر عليه في رسالة الماجستير التي ظفر بها من جامعة أم القرى، وهي من مفاخر هذه الجامعة حين تُعَدّ المفاخر، وفيها انفسح لسعيد ضرب من النقد جديد، وكانت تلك الرسالة عنيفة عنف شعر شاعره الأثير أبي تمام، قلقة قلقه، واثقة ثقته، حتى لكأنَّ أثرًا من شعر حبيب عبر القرون، ثم ما لبث أن ألقى بنفسه في كلمات سعيد، فكان نقده فتيًّا طريفًا، ولم يُخْفِ سعيد إحساسه بما أقدم عليه خلف كلمات تصطنع التواضع، ولكنه أيقن أن لديه جديدا في النقد، فعسى أن يعيد إلى درس الشعر نضارته ورواءه، بعد أن مكث حينا من الدهر مطية لكل شيء إلا البصر به والعلم به، ولم يُخْفِ طالب الماجستير جديده الذي جعله كِفَاء لكل النقد القديم، ولم تَرَ الجامعة في الشابّ ذي التسعة والعشرين ربيعًا، غلوًّا ولا عدولًا عن القصد، حين أجازت رسالته «شعر أبي تمام بين رؤية النقد الجديد والنقد القديم».
نعم، كان ينبغي لدكتوراه سعيد السريحي أن تحدث «أزمة»، وما أظنه سيبتهج إن لم تحدث «أزمة» تقشع ما استكان إليه النقاد من ضروب في القراءة، تنزل بالشعر عن درجته، وكان هم سعيد أن يعود النقد، بعد طول اغتراب، إلى حضن اللغة، غير أني لا أحسب سعيدًا ولا شعراءه المحدثين ولا القراء الذين يجلّون النقد وينزلون نقاده منازلهم سيجول في أوهامهم أن تتحول هذه الأطروحة إلى «أزمة ضمير»، لم تستطع أسوار جامعة أم القرى، مهما ارتفعت، أن تحبسه في أروقتها وحجرها المعتمة، حين أضمر له ثُلَّة من مَلَئِها شرًّا، فإذا بهامة ذلك «الضمير» تصيح في سماء الحق والخير والجمال، حتى تبلغ أسماع المثقفين وتنفذ إلى ضمائرهم، فعسى أن يثأروا لذلك «الضمير» الذي استبيح، حتى يطمئن، ولن يطمئن، حتى يعود للجامعة ولتقاليد العلم ذلك »الضمير« الذي استهين به في غفلة هذه ساعة انقشاعها.