المحرر المجنون
الخميس، ٥ مارس ٢٠١٥تحية إعجاب وإكبار لبطل مهنة المتاعب عبدالعزيز الغامدي (المحرر المجنون) بصحيفة المدينة والذي لعب دور المعتل النفسي في شوارع جدة لينجح في إيصال رسالة كل مريض عجز عن إيصال رسالته.
كشف الصحفي الشجاع الوجه السلبي المقيت للمجتمع وبعض العاملين في مصحات الصحة النفسية ومستوى الرعاية الحقيقي لوزارة الصحة، وأبرز لنا تناقضات المجتمع السعودي كونه مجتمعاً إسلامياً محافظاً يختزل موروث القيم الدينية والإنسانية الكريمة دون ممارسة واقعية! فنفور المجتمع وتجاهله لحالات المرضى والمعوزين ومن هم في أمس الحاجة للرعاية ومد يد العون، يمثل انسحاباً صارخاً من تلك القيم المأمولة من هكذا تكوين مجتمعي، إنه أمر غير مبرر، وربما فاضح ومعيب إن جاز التعبير.
وقد جسد المحرر المجنون حقيقة واقعية لمسناها جميعاً في حياتنا اليومية، فمنذ شهور وأنا أرى شيخاً متوسداً أحد الأرصفة تحت جسر طريق الملك فهد بجدة، دون أن يتغير شيء في وضعه، وفي كل مرة كنت أتساءل عن دور الجهات الرسمية أمنياً ومدنياً كوزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني من جمعيات خيرية وغيرها، إلام ينتظر هذا الشيخ لتلحظه عين مسؤول ما.
ولم أبادر بالتصرف الشخصي لشعوري الحقيقي بالهزيمة للأسف، خاصة بعد تجربتي الشخصية مع صديق الطفولة الذي فارقته منذ 15 عاماً في مدينة الطائف، لألتقي به يتسول المارة على الرصيف أمام أحد المراكز التجارية بجدة، لم أصدق عيني إذ بدا عليه الاعتلال النفسي وفقدانه النطق حافي القدمين ناحلاً كعود محترق ممزق الثياب، أركبته معي اتصلت بأمه التي فوجئت بالخبر لتقول لي قد فقدناه منذ عامين، أرجوك يا بني أدخله مستشفى الصحة النفسية، اتصلت بالمستشفى أخبرتهم بالحالة، قال المسؤول بأن المستشفى لا يستقبل الحالات إلا عن طريق أسرته أو الشرطة، ولعجزي عن تأمين أحد أفراد أسرته اتصلت بالشرطة وفعلاً حضروا بمعاملة مزرية للمريض (كان شبه اعتقال) وطلبنا إسعافاً وعندما حضرت فرقة الإسعاف وعاينوه قال لي أحدهم لن نستلمه وأنصحك أن تتركه يمضي في الشوارع، وقال كلما سلمنا مريضاً للصحة النفسية يطلقونه مباشرة، لا جدوى، وانتقلنا من قسم شرطة لآخر حتى قرر أحد رجال الأمن الاتصال بوالده وطلب منه الحضور لاستلامه، وأخبرنا بعجزه عن السفر لكبر سنه وطلب مني إيصال ابنه للنقل الجماعي وقطع تذكرة له باتجاه مدينته، وهكذا فعلت لأفاجأ به بعد أسبوعين هائماً بأحد شوارع جدة من جديد.
.
التقى برنامج يا هلا في قناة روتانا بالمحرر المجنون وقال في نهاية اللقاء: تمنيت أن يقبل مستشفى الصحة النفسية فتح ملف لي وعلاجي لأتمكن من مواصلة كشف معاناة المرضى من الداخل ولكن أبواب الصحة النفسية أغلقت دون مارد الصحفي، ولعلي أفتح الأبواب للمحرر المجنون وأكمل له رحلته، ففي 2013/10/30 قمت بنشر تقرير حول مستشفى الصحة النفسية بجدة بصحيفة الشرق إثر مرافقتي لجمعية حقوق الإنسان آنذاك، وانتقدت الجمعية تسويف وعود المستشفى لمدة ثمان سنوات بتغيير المبنى والانتقال لمبنى جديد يفي باحتياجات المرضى، وكان مما رأيت ولم أستطع نشره لتحفظ حقوق الإنسان (وحدة c) وهو عنبر النزلاء الخطرين من المرضى وحينما دخلنا منعت من التصوير بالداخل ورأيت عنبراً مستطيل الشكل مليئا بالنزلاء لا يفصل بين سررهم على جانبيه أكثر من نصف متر، ولا توجد طاولات للطعام فهم يأكلون على الأرض أو على سررهم ليس هناك أي تجهيز، في نهاية ذلك العنبر حجرة ذات باب حديدي أشبه بالزنزانة، أخبرني العاملون بأنه مخصص لحالات الهياج، ليس في تلك الزنزانة فراش أو سرير، فقط البلاط ولا احتياطات سلامة، كأن يبطن من الداخل بما يحمي المريض المتهيج من الإضرار بنفسه بالاصطدام بالجدران أو الأرض، يُعزل حتى يهدأ.
كانت هناك دورتان للمياه إحداها مكسورة الباب وصنبور الماء، اشتكى لنا أحد العاملين بأنه قد رفع طلب صيانة منذ أسابيع ولم يستجب له، والدورة الأخرى لها سلم من درجة واحدة سقط عليه أحد المرضى وكسرت ساقه، كان قسم التنويم هذا مليء بقرابة العشرين مريضاً أحوالهم مدمية للقلوب.
هذا ما سمح لنا برؤيته فضلاً عن تعامل العاملين والمساعدين الطبيين مع المرضى (المتروك للتخرصات)، وفي العيادات الخارجية صعقت بمعلومة تقول: إن هناك خمسين ألف ملف لمريض يتلقى علاجه في المنزل؛ علماً أن سعة المستشفى حتى ذلك التاريخ 120 سريراً!
هذا ما كنت تأمل رؤيته أيها المحرر المجنون داخل مصحاتنا النفسية، والقصة لن تنتهي.
.