حين يصبح المعلم بمرتبة وزير

(تبغي تصيري مدرسة؟!) قالتها بكل استنكار وملامح صدمة واستياء على وجهها، وكأنني قلت لها أريد أن أصبح (تاجرة مخدرات)، فقالت مستدركة بسرعة (بس أنا لسه في الثانوي أقدر أغير رأيي) في محاولة يائسة لإنقاذ الانطباع المثير الذي كانت تريد تركه عند زميلاتها الجدد في المدرسة، ولكن من ملامح الأوجه التي حولها كان واضحا أن الأوان قد فات.
أرخت كتفيها في استسلام وهي تستمع لمن أتى دورها بعدها للإجابة على سؤال (ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟)، وهي تقول رامقة إياها بنظرة تعالٍ (أريد أن أصبح سيدة أعمال)، وتلاحقت الأمنيات من الأخريات ما بين مصممة أزياء، ومذيعة، ومخترعة، ومهندسة، ملحوقة بردات الفعل الإيجابية والتشجيع من المستمعات، بينما كانت تشعر بفداحة اختيارها تزداد أكثر وأكثر.
لطالما وصمت مهنة التدريس بالنمطية والروتينية، واقترنت في أذهاننا بالتشدد والانغلاق، فما تجرأت واحدة من جيلنا على قول إنها تحب التدريس، أو حتى التفكير فيه كاختيار، ربما لأنه كان الخيار الوحيد للمرأة لعقود طويلة مما جعله (مجبر أخاك لا بطل).
وربما أيضا من النماذج السلبية لمعلمة لا تملك من صفات المعلمة أو المربية أي شيء سوى أنها في نظام اجتماعي لم يتح لها بأن تكون أي شيءٍ آخر.
وربما لأنه اقترن بالتهجير والمرمطة والتعيين في آخر بلاد الله (الحاجة حواجة).
لذا يا وزير التعليم، نطالبك بإنقاذ مهنة التعليم.
نطالبك بأن لا تصبح مهنة من لا يعرف ما مهنته، أو مهنة منلا طموح له، فيعصر على نفسه ليمونة، ويقبل بالتعيين كمدرس.
نطالبك بأن تصبح هذه المهنة للمتميزين، للطموحين، للمبدعين والمغيرين.
نطالبك أن تصبح أعلى المناصب حظوة، وأعلاها راتبا، وأن توضع لها أصعب اختبارات القبول، ويطالب فيها بأعلى الكفاءات والمهارات الشخصية.
نطالبك بثورة في المفاهيم، فيقترن لقب معلم بالمعرفة والرفاهية والتقدير، ويقترن التعليم بالمتعة، والتطور، والحداثة.
فحينها فقط سيصبح التغيير ممكنا، وحينها فقط سيكون هناك أمل.