مواقف..!

بعد شهر من تدميرهم (سور نينوى) التاريخي، شاهِد الحضارة الآشورية في بلاد الرافدين، بثت الفضائيات مؤخرا مشاهد لمغاوير داعش، وهم يقومون بتدمير الآثار الآشورية في متحف مدينة الموصل، بعد أن فجر التنظيم مبنى مكتبة الموصل في وسط المدينة، وحرق محتوياتها من الكتب والوثائق والمخطوطات النادرة، وحرص التنظيم على بث صور لأفراده، وهم يجهزون على جميع محتويات المتحف، وكأنهم في حالة نقمة من كل ما يرمز إلى الحضارة، ويمثل التراث الإنساني.. وفي ذلك كله؛ ما يعكس موقف أولئك من الحياة، وموقفهم من العلم والمعرفة، والتاريخ، والكون، والإنسان.
وبعيدا عن الحديث عن همجية هذا التنظيم ودمويته، وبعده عن الإسلام وتعاليمه، وما إلى ذلك من توصيفات ونعوت؛ من كثرة تكرارها باتت مملة سمجة، إذ لا خلاف على أن أولئك الهمج أبعد ما يكونون عن قيم الإسلام ومبادئه ومقاصده العليا. كما أنه لا خلاف على أن عقيدة التنظيم اختارت من الموروث الإسلامي، ما يتوافق مع فكر التنظيم نفسه، ويعبر عن سياساته. وينسجم مع طموحاته وأهوائه؛ انتقاء واجتزاء، واجتراء...!
وما فعله التنظيم بتلك (الآثار التاريخية) تحديدا، يعكس موقفه العقدي منها، ويجلي مظاهر الفكر الذي يؤمن به ويسلِّم بمقتضياته تجاه الآثار، ولذلك بدا في تلك الصور حال التشفي والاستلذاذ بتحطيم الآثار وتدميرها برمتها، وبدا أفراد التنظيم مخلصين في ذلك، وكأنهم في طقس تعبدي، بذلك الصنيع الشنيع، وهو مشهد يستدعي في تكوينه الذهني والنفسي مشاهد تحطيم الأصنام، هكذا تتكون الصور والمشاهد وتتداعى وتستحضر.. في الأدمغة الآسنة المريضة، ومن ثم فالتنظيم يتعامل مع الآثار بوصفها أصناما..!، وهي بدورها حالة تستدعي موقف أعداء الآثار التاريخية - من غير الداعشيين طبعا - من بعض الدعاة والوعاظ..، فلهم المنطلق الفكري ذاته، وإن كانوا يطلونه بذريعة الخوف على العقيدة، والتقليل من القيمة المعرفية للآثار، وهو موقف لا يرى بأسا في تدمير الآثار، غير أنه يجبن عن الدعوة الصريحة إلى هدمها، فهو مداهن، ضحل، يكتفي بتعميم فكرة استتفاه الآثار كقيمة، ويهون من أهميتها الحضارية من جانب، ومن جانب آخر، يشيع ويكرس فكرة خطرها على العقيدة، ومن مراجع ومصادر داعش نفسها، فكلا الفريقين ينتقي مقولات ونصوصا تدعم هذا الرأي، وتدفع باتجاهه.
ولا شك بأن هؤلاء، الذين استثار مشاعرهم إزهاق داعش أرواح الأبرياء؛ ذبحا بالمُدي والسكاكين، وحرقا بالنار، فراحوا يتباكون ويعرضون الأدلة الشرعية، على جرم ما أقدم عليه التنظيم، ويبرؤون الإسلام منه، ويصفون التنظيم بأبشع الصفات، ويرددون على مسامعنا (أن داعش لا يمثل صحيح الإسلام) هم ذاتهم الذين لا يجدون غضاضة في صنيع داعش بالآثار العراقية، وهم ذاتهم الذين لا يروق لهم وصف (الآخر) للمختلف عنا دينا، ويرون وصفهم بـ(الكفار)، اتباعا للمنهج القرآني بزعمهم.
هؤلاء هم أذكى من يشتغل على المناطق الفراغية في الذهن الجمعي للعامة، وهم أمهر من يجيد المراوغة، وخلط المفاهيم، وفي ما سلف من متفرقات المشاهد والمواقف لهؤلاء وأولئك، ما يتيح استنتاج خطا بيانيا يغذيه الجوهر الفكري ذاته، يدق في ظروف، ويغلظ في أخرى، يضمر حينا، ويصرح أحيانا أخرى.
يجيد اللعب بالأوراق، ويجيد المراوغة والمداهنة والخداع، وتمرير الأفكار، بلبوس مقولات تحتوي الشيء وضده.
الخطر في موقف هؤلاء، أنهم يتسربون من مناطق الظل، ويبثون أفكارهم في سياقات مضمرة، وخفية، انتهازيون في المبادرة واستغلال الظروف، والمتاجرة بالدين، والمزايدة على الخوف عليه، ومن فرط تقادمهم وتراكم خطابهم؛ أضحى من الصعب على المستنيرين- من الدعاة والوعاظ والتنويريين من العلماء والحكماء، والداعين ببصيرة ووعي واحترام لعقول الناس - اختراق الجدار الصلد الذي بناه وشكله هؤلاء، وأوهموا الناس بأن الاختلاف معهم، اختلاف مع الدين والثوابت والمبادئ.
صنيع داعش الذي ابتدأنا به هذه المقالة، يتيح مسافة واسعة لمساءلة العديد من المواقف والأفكار والمقولات الشائعة عن الآثار وغيرها؛ مما يحسن التوقف عنده، وإعادة قراءته وتقييمه، وتطهير الفكر والدين والحياة منه.