أول حماقة.. حملة نابليون بداية النهضة العربية!
الأربعاء، ٤ مارس ٢٠١٥
تحدثت مع الدكتور محمد الأحمري حول تاريخ النهضة العربية والاختلاف القائم بين المؤرخين حول بداية النهضة، وتحديدا ما يكمن أن نسميه العصر الحديث لدى العرب. أفادني الدكتور وهو الخبير بالتاريخ والمولع به أن العرب حول ذلك ثلاث فئات، فالمسيحيون العرب شرق المتوسط يؤرخون بداية حراكهم ضد الاستبداد التركي ونشاطهم الثقافي والفكري آنذاك بداية للنهضة العربية. أما المفكر محمد عابد الجابري فيجعل الحركة الوهابية وثورتها ضد الخلافة العثمانية بداية النهضة العربية والتحرر من الهيمنة التركية. أما المصريون فيرون أن دخول نابليون بونابرت مصر كان هو بداية النهضة العربية.
طبعا سيكون الاختلاف بين رؤية المسيحيين العرب ورؤية الجابري مقبولا بعض الشيء؛ لأن لكل طرف مسوغاته السياسية والفكرية، فالجابري يرى أن الحركة الوهابية قامت قبل الثورة الفرنسية بـ 42 سنة وهي حركة تحرر، هذا بالشق السياسي أما بالشق الفكري فهي ثورة ضد الخرافات والبدع التي شابت العلاقة بين الخالق والعباد.
والمسيحيون العرب يرون أن للحركة العربية في شرق المتوسط جانبا سياسيا متمثلا في الجمعيات والتجمعات التي صرحت علنا برفض الجور التركي ووقفت ضد ممارسات تهميش العرب وإقصائهم وسلب حقوقهم. والجانب الفكري تمثل في الدعوة للقومية العربية ونبذ الطائفية والمذهبية واستلهام التجربة العلمانية الغربية.
هذا فيما يتعلق بالحديث حول الاختلاف بين نهضة شرق المتوسط والحركة الوهابية. لكن إذا جئنا للحديث عن الرؤية المصرية للنهضة العربية والتي تؤرخ لحملة نابليون على مصر والتي ربما درسها الجميع في المدارس حول تاريخ نهضة العرب، ونهضة الأدب العربي، وكيف أن نابليون جلب معه المطابع ومنها مطبعة بولاق ... إلخ، نجد أن هذه الرؤية استلابية بالمقام الأول، فتخيل مثلا أننا نؤرخ لمرحلة ما بعد الحداثة عربيا بدخول المارينز بغداد 2003؟! هنا نلحظ الكم الهائل للانهزامية والاستلاب الفكري عندما نعتقد أن غزوا أجنبيا كان هو بداية النهضة بالنسبة لنا!
هناك من برر بأن حملة نابليون هي أول احتكاك مباشر بين الغرب والشرق بعد الثورة الفرنسية وليس مجرد الغزو هو عامل النهضة. لكن ما يفهم من هذه الرؤية بشكل مجمل هو أننا في موضع المتلقي السلبي ولسنا في موضع المبادر. المعضلة الأكبر أن هذه الرؤية تحولت إلى مدرسة فكرية متمثلة في بعض التيار الليبرالي المصري الذي ينشط إلى يومنا هذا، ويرجع سبب التخلف لدينا ليس إلى أسباب دينية وثقافية وحسب، بل إلى أسباب بيولوجية وجينية مستحضرا فاشية الرجل الأبيض في القرن التاسع عشر!
هذا التيار إذا استثنينا بعض الوطنيين نجد أن هناك من لا يرى ضيرا في أن تبقى المنطقة تحت النفوذ الأمريكي، ولا تمانع في الصداقة مع الحركة الصهيونية الإرهابية، ولا تمتلك أدنى شعور إيجابي إزاء اللغة والتراث والتاريخ والناس والأرض. ربما أدرك هذا التيار أنه منبوذ من الشارع المصري فقرر الكفر بالعملية الديمقراطية بمجملها والتحالف مع العسكر.
طبعا هذا التيار يمتلك الصوت العالي في وسائل الإعلام الغربية وحتى العربية. هذا الانتفاخ في الذات يقتات على فشل حركات الإسلام السياسي ويعتبرها أفضل دليل على صحة طرحه بينما يستمد قوته من التواطؤ مع الصهيونية والإدارة الأمريكية. هذا التيار ربما ما زال يترحم على نابيلون بونابرت الغازي القاتل، ويعتقد أنه هو سبب نهوضه وتقدمه وكأن الجميع لا يعلم أن نابليون أتى لمصر لقطع الطريق على النفوذ البريطاني، ولم يأت من أجل محاربة الأمية أو توزيع المطابع والكتب!