ضابط جامعي
الاثنين، ٢ مارس ٢٠١٥
كان من المتميزين، بل من النوابغ، حتى إنه حاز على براءة اختراع في علم الفيزياء أثناء بعثته، مما جعل إدارة الجامعة الأمريكية تعرض عليه البقاء فيها، وأخذ الجنسية، وإكمال سلسلة أبحاثه، وهو يعتلي منصبا رفيعا، ويزاول التدريس الأكاديمي.
وبعد تفكير عميق رفض العرض وعاد، فهو وطني يريد أن يفيد بلاده بما يمتلكه من قدرات ومواهب.
وحمل ملفه الأخضر، وظل يدور بالوزارات يبحث عن وظيفة؛ وإن جئنا للحق، ففي ذلك الحين كانت الوظائف أكثر توفرا مما هو الآن، فحصل على عدة فرص.
ولكن محبيه، الذين يعرفون قدراته نصحوه بالعسكرية، حيث المرتب الأعلى، والإمكانيات الأوفر.
شهور ووجد نفسه يجري بقبعته و(البسطار) وسط الميدان، ويراوح، ويستريح ويستعد، ويمينا يتراصف.
لقد ظن بداية أن هذه الأمور العسكرية مجرد تطويع للياقته، قبل أن تطلق يداه ومخه في مختبرات علمية يكمل فيها ما بدأه من تطويع لعناصر الكون، ويبني فيها ما يحلم به من مزاولة العمل الأكاديمي والبحثي والتدريسي؛ ولكنه وبعد تخرجه من الدورة العسكرية التأهيلية أصبح يشعر بأقدامه أكثر مما يشعر برأسه.
صاحب براءة الاختراع وجد نفسه بقدرة قادر في موقع ميداني منسي، لتتفاقم في مخيلته مسميات الشؤون العسكرية، فهذا أقدم، وهذا أحدث، وهذه تحية بدون (بريه)، وهذا طابور، وهذا تعداد، وهذا تمام صباحي، وهذا توقيف، وهذه داخلية.
بعدها وجد المخترع نفسه في مكتبه يقرأ الصحف، ويوقع على إجازات المستأذنين، والمرضى، ويجازي (المبزوطين) بتعبئة (الشكاير).
لقد شعر بالمسؤولية العظمى الملقاة على كاهله، فهو يحمل في جوفه قلب إنسان، ما جعله يتردد كثيرا، ويتعاطف، ويخشى أن يمنع عسكريا من أخذ إجازة مرضية، وهو مستحق لها.
لقد أبدع في قيادة الجند، ووضع لهم مسيرات وجداول بأسمائهم، حتى يحسب كيف ومتى يسمح لهم بالسفر، ووجد في ذلك بعض المتعة، والشعور بالأهمية، في هذا الموقع البعيد عن حياة المدن الكبرى.
وتنتهي ساعات العمل المكتبي، فيتجه لوحدة السكن، ويحاول إشغال نفسه بأي عمل، فاليوم هنالك يطول كثيرا، وحياة العازب لا بد لها من تسلية.
لعبة البلوت كانت الحل، تعلمها في أسبوع، ولم يلبث أن أبدع فيها، بذكائه الخارق، وأصبحت هواية (الغزغزة) وتصقيع الرؤوس تشغل أوقات فراغه، وتُعجز الآخرين عن مجاراته.
عشرون سنة مضت من خدمته العسكرية، وقد تزوج وكبر أبناؤه، الذين يتفاخرون به بينهم، وقد كبرت رتبته، وتكاثرت التحيات، التي تهطل عليه أينما حل، وكثرت النياشين والأوسمة على صدره وكتفيه، ولو أن وزنه أصبح مقلقا لراحته.
الناس جميعا يعرفون أنه قد حصل على براءة اختراع من أمريكا، ويعرفون أنه أيضا لاعب بلوت بارع لا أحد يستطيع مجاراته، فكأنه «حاوي» في سيرك الحياة، يخرج (الإكك، والمشاريع) من بين يديه، وكأنها أرانب، لا تلبث أن تختفي بحركة خفة منه، تستحق براءة اختراع.