أوان الفن السابع

لم يكن واحدا من الأحلام فقط ولكنه كان أشبه بالغوص بعيدا في تفكيك أبعاد منظومة حتى الوصول إلى البعد العاشر.
ذلك البعد الذي يحمل في ثناياه الموهبة والمادة الثرة والأفكار الصقيلة.
وهذا ما تعبر عنه مجموعة من «الشباب الطامحينا» الذين اختاروا ولوج دهاليز الفن السابع ورأوا في السينما، شكلا آخر يمكن أن يعكس جزءا من قصص الحياة الكثيرة، ماضيها مُعبرا عنه بالأفلام الوثائقية، وحاضرها في أفلام الواقع والأفلام الروائية والدراما بأنواعها، ومستقبلها كذلك في أفلام الطموح والخيال.
كانت فكرة السينما في السعودية قديمة ولكن جسد النجاح هذا العام، القائمون على أمر مهرجان الفيلم السعودي في دورته الثانية صناعة ومشاركة وحضورا جميلا.
وقد كانت من قبل عبارة عن قطرات متناثرة احتاجت إلى كثير من الجهد والعمل حتى وصلت إلى مرحلة أن يقوم هؤلاء الشباب بجمعها لتصب غيثا مدرارا.
كما ثبت أن هذا النوع من الفن له أدوار غير تلك التي يراها الناس ويتم التسويق لها بوصفها أفلام إثارة أو عنف أو غيرها.
وقد أثبت هؤلاء المبدعون بما حصدوه من الإعجاب فضلا عن الجوائز التي نالوها أنه بإمكانهم النهوض بالسينما السعودية شكلا ومضمونا وتجربة جديدة لتؤدي رسالتها في التوعية والثقيف والترفيه النظيف.
وإن كانت العراقة والتجربة الزمنية كيفا وكما على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال، فإن ما تلبيه السينما السعودية المحلية بوصفها حديثة نوعا ما، وما يمكنها الاستفادة منه هو المادة المقدمة لأصالتها وعراقتها، حتى إن الكثير من مجالاتها لم يتم طرقه بعد.
وهذا يمكن أن يقود بكل سهولة للعالمية سواء كان في الرسالة التعريفية بالمجتمعات العربية خاصة المجتمع السعودي والخليجي، من خلال هذه الأعمال بحبكتها الدرامية، أو أي من الأشكال السينمائية الأخرى.
أما ملاحظتي من خلال متابعتي اللصيقة لعمليات الإنتاج فهي أن البيئة السعودية منجم سينمائي لم يتم اكتشافه بعد، فالباحث في التراث الشعبي يدري أكثر من غيره احتمالية إنتاج مئات الأفلام الوثائقية التي تحكي تاريخ المملكة.
وفي كل منها تفاصيل لو أدركتها هوليوود لما تركت فيها للعرب مثقال لقطة.
وليس التاريخ سيرة فقط يتم سردها وإنما يتضمن حياة واسعة فيها من التفاصيل ما تنوء به صفحات الكتب.
وكنت قد اقترحت على عدد من المهتمين بالتراث الشعبي السعودي مثل هذا الإنتاج، وكان الحماس ابتداء ثم تلاشى مع لهاث الحياة والتي لو فكر فيها الباحثون في هذا المجال لكانت هي نفسها معينا على الحياة بمردودها المعنوي والمادي.
سيشهد التاريخ لتجربة المخرجة هيفاء منصور التي قدمت أول فيلم سعودي هو «من؟» تلته عدة أفلام حتى وصلت بفيلمها «نساء بلا ظل» عام 2005 إلى النجومية ونالت عنه العديد من الجوائز.
والتجربة الإخراجية لهيفاء الحاصلة على الليسانس في الأدب الإنجليزي المقارن من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1997، تتيح للعديد من الموهوبين الذين لم تمكنهم ظروفهم من التخصص في هذا المجال، خاصة المشتغلين به بجهودهم الخاصة فرصة للبروز والنبوغ بقليل من الاعتناء بموهبتهم.
وذلك لأنهم قاموا بزخرفة الواقع من وراء كاميراتهم الرقمية الخاصة والقيام بمونتاج موادهم وبثها على قنوات مثل اليوتيوب وغيرها.
وبالرغم من أن تكلفة صناعة السينما تفوق تكلفة بقية الفنون المرئية، إلا أن هذا ينبغي ألا يقف عائقا إذا تم حساب العائد بمقتضيات السوق، والذي توازن أهدافه بين العائد المادي لتغطية تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى الربح، ورسالة السينما المنطلقة من بلد مثل المملكة العربية السعودية.
ومن هنا تكون المسؤولية جد عظيمة كي لا تأتي بما يتنافى مع قيم الدين والمجتمع، وحتى لا تأخذ خطا مجافيا للدور العام المنوط بها، ومتوافقا مع توجه الدولة وسياستها وخطها الثقافي.
وهذا لا يعني بالضرورة وضع السينما في قالب ضيق، ولكنه يعني انفتاحا لا تدركه إلا المواهب التي وعت بضرورة السينما وبثها داخليا وخارجيا.