المعلمات نعوش متحركة!

عانت طويلا بانتظار فرحة التعيين علّها تنقذها من البقاء في طوابير العطالة، ولكن فرحتها عندما أتت كانت ناقصة! فالتعيين كان في محافظة بعيدة عن مقر سكنها.
أجبرها واقع الحال على أن تقبل بهذا التعيين على مضض لكي تسهم في تحمل ولو جزء يسير من معاناة أسرتها الصغيرة، فراتب الزوج لا يكفي لأغلب المتطلبات الأسرية المتزايدة يوما بعد يوم.
قبل أذان الفجر بدقائق ودعت زهرتيها الغافيتين، لم تكن تدري أن هذا هو الوداع الأخير، قبّلتهما بحرارة، كانتا هما كل أملها في الحياة، هما عيناها اللتان تبصر بهما، وأنفاسها التي تختلج بين أضلعها، وقفت إلى جوارهما قليلا تتأمل بقايا ابتسامات بريئة لا تزال عالقة بمحياهما منذ المساء.
استقلت حافلة الموت مع مجموعة من زميلاتها باتجاه مدرستها في تلك المحافظة البعيدة، كن خمس معلمات والسائق سادسهن، على غير المعتاد كان الصمت مخيماً على الجميع لم يكن يقطعه إلا صوت سعال السائق بين الفينة والأخرى، كانت الأجساد محشورة في الحافلة، أما العقول والقلوب فكانت لا تزال تغفو إلى جوار المحبين متدثرة بدفء الحنين والاشتياق.
لم تشرق الشمس بعد عندما دوى صوت انفجار إحدى عجلات الحافلة الأمامية لتمزق أستار الصمت وتمزق معها أجساد المعلمات، لا أحد يعلم متى استقرت السيارة بعد انقلابها عدة مرات ولكن الشيء المؤكد هو أن الجميع قد فارق الحياة وفارق الأحباب، وأن الزهرتين الغافيتين لن يوقظهما إلا عويل المعزين وبكاء المحبين، ولتفتح أعين البراءة على طرقات شبح اليتم والذي زارهما مبكرا جدا ليأخذهما إلى قوافل الأيتام من أبناء وبنات المعلمات الراحلات ممن اختطفهن القدر في الأعوام السابقة بنفس الطريقة، وربما بطريقة أشنع!
جراح تنزف .. وأسر تتشتت ... وأطفال تُيتم .. ونعوش تتسابق إلى أبواب المقابر!
فمتى يتوقف هذا النزيف! ومتى تلتئم هذه الجراح؟