غاية الجهد الإنساني

إن الإنسان الإيجابي يؤثر بسلوكه قبل قوله فيمن حوله من الأحياء و الأشياء ليقترن القول بالعمل
ومن الإيجابية أيضا أن يجدك الناس في كل موضع تخدم فيه كل حي على هذه الأرض ولا يفتقدونك حيث يجب أن يكون وجودك
ومن المفترض أن يظل الإنسان الإيجابي في كل وقت وحين في طليعة القوم، ونرى ذلك جليا واضحا في قصة سيدنا يوسف الصديق عليه السلام، حينما قال للملك اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم
فتقدم بفكر إيجابي ينبثق عنه عمل نافع حيوي فيقدم للبشرية يومها من خلاله كل مبتكر و جديد
فالإنسان الإيجابي كمثل الغيث أينما وقع نفع، فهو كالنخلة في ثباتها وشموخها وعطائها وجمالها الربيعي الخلاب

تزدان بها الطبيعة، وتفوح من جنباتها النسائم، ويظلنا سعفها، ونأكل من رطبها وثمارها، وبعد كل هذا العطاء وذلك التفاني في خدمة البشرية و الطبيعة الإنسانية ترمى بالحجر فتعطي وتغدق على راميها بأطيب الثمر
ومن ذلك الوصف البديع للعطاء والبذل يتجلى لنا المثال الجليل للإيجابية التي لا تتوقف ولا تفتر و لا تنضب

فيا له من عطاء متواصل حتى وإن رجمها الناس بالصخور و الحجارة، فعطاؤها بلا حدود، وبذلها غير مشروط ولا محدود
و الإيجابية الإنسانية لا تنتهي ولا تتوقف بأي حال من الأحوال، حيث العطاء المتجدد الممزوج بالتضحية والاستعلاء على الجزاء الدنيوي المحدود والتطلع إلى الجزاء الإلهي الممدود
ومن الايجابية كذلك ألا ينتهي عمل المسلم و دوره في الحياة عند انتهاء عمره الوظيفي و خروجه إلى التقاعد
إن الدور الإنساني في هذه الحياة غير مقيد بعمل أو وظيفة فقط، ولكن الدور الإيجابي له منظوره الواقعي وواقعه العملي

يعطي الإنسان و يبتكر و يبدع بعمل طموح مستمر إلى آخر العمر البشري المشهود

يعطي و يقدم من جهده الكثير ليؤدي الأمانة التي أوكلها الله إليه
وليس للعمل الإنساني نهاية إلا بالموت «و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، أي الموت
نحن بحاجة إلى تربية أنفسنا تربية جادة تقوم على بعث روح التجديد داخل النفس البشرية، وخلق نبراس الأمل الذي يضيء لنا جانبي الطريق الدنيوي المحفوف بالشهوات و المخاطر والنصب والتعب الذي يصيب الإنسان وهو ماضٍ إلى غايته العلوية بشيء من الملل والرتابة والقنوط واليأس أو الدعة والراحة والاستكانة والاستسلام
فالإنسان الإيجابي كالوقود المشتعل دائما وأبداً، يبحث وينقب ويتعلم ويعطي ولا ينتظر جزاء في هذه الحياة، لأن ذلك العطاء له تصوره الشامل الذي هو أكبر من النظرية الداعية إلى الأنا ومن بعدي الطوفان
وفي الموروث الشعبي «هات وخذ، فإن لم تأخذ أنت فلا تعط»

وهذا للأسف الشديد منظور خاطئ بكل المقاييس، لأننا هنا في دار ممر وليست دار مستقر، حيث إننا يجب أن نقرر واقعا ونقر حقيقةً أننا في دار عمل ونصب وليست داراً للجزاء والمكافآت والترف

فهنا العمل وهناك الحساب، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه، ومن هنا كان للنظرية الإيجابية داخل النفس البشرية باعثها الأصيل ودافعها النبيل

العمل من أجل تحقيق غاية الوجود الإنساني