(مجتمع العنف).. صياغة (محلية)!

 

 

هل ترون مثلي ذلك الانجراف الهائل نحو تناقل مشاهد العنف في مجتمعنا (الجديد)، من قتل وتعذيب واعتداءات جسدية شتى، بانتشاء بالغ واستمتاع (عجيب)؟!. هل أصبح (التوحش) ظاهرة لساكني هذه الأرض المباركة، بعد أن هذب أسلافهم الإسلام العظيم، ورقق عواطفهم الانتماء إلى مكون اجتماعي وطني.. مستقر وآمن..؟!
ربما أحاول اللحظة مقاربة هذا المشهد المتصلد من خلال أسباب كثيرة (كما أرى).. لعل من أبرزها:
1 - تعالي الحس الفردي في المكون الجمعي، أو ما يسمى بـ(individualization) الفردانية، وعندما تتضخم الذات الإنسانية لدرجة تتجاوز معها حدود الجماعة، تتوهم اختلاق شخصية ممعنة في التسلط و(الجبروت)، يمكن أن تمارس (العنف) في أية لحظة، أوتتلقى رؤيته بروح باردة!
2 - ضمور القيم الإنسانية في المجتمع، والتي توجه الذهنية الفردية إلى ضرورة التعاطف مع الجماعة، إظهارا لقيم اللين والتواد والنبل والتكافل، وهي القيم التي احتفى بها الدين الإسلامي، وجعلها شعارا لعلاقة الإنسان مع ما يحيط به من شخصيات ومشاهد وممارسات.
3 - إخفاق المؤسسات الدينية والتعليمية التربوية والاجتماعية والإعلامية والثقافية في صياغة الفرد لدينا صياغة موضوعية عقلانية جمالية على مستوى الفكر وصياغة منفتحة معتدلة حضارية على مستوى الممارسة والسلوك.. (الواقع يفصح عن عنف جلي في بعض الخطاب الديني، أفضى إلى تكون تلك النماذج الإرهابية المتطرفة في المجتمع، وداخل مكونات المؤسسة التعليمية، وبين مشاهدي ومتابعي البرامج الأكثر جماهيرية في وسائل الإعلام، والتي أفرزت كل أشكال التعصب والإقصاء والسخرية المحترفة من الآخر: المختلف/ المنافس..)!
عجز تلك المؤسسات عن الوفاء بأهدافها الدينية المتزنة، والتعليمية الموضوعية، والاجتماعية التكافلية، والثقافية في هاجسها الحواري والجمالي داخل العقل والوجدان، أنتج ذلك الاعتقاد الآثم: أن ثمة مطلقا ساميا يتجسد في فكرة أو شخصية دينية أو ثقافية أو رياضية، يجب بذل الروح من أجله بأي ثمن.. ومن الطبيعي في لجة حالات التعصب والجهل، أن تنشأ تلك النماذج البشرية التي (تعيش) العنف، و(تمارسه)، و(تعتاد على مشاهدته.. صباح مساء)..!
4 - الغياب المرير لمسوغات تخلق الذائقة الجمالية الفنية في النفوس، من (سينما ومسرح ومؤسسات فنية فاعلة للموسيقى وأعمال النحت والتشكيل..)، إضافة إلى (التجييش) الهائل ضد الفنون (الممكنة) كالرواية والتجارب الشعرية الحقيقية الجديدة!
فارتهن المجتمع إلى حالة تلق ساذجة، لا ترتقي بالإنسان وتسمو به فوق حاجاته النفعية والغرائزية، إلى آفاق أكثر طهرا ونقاء وحبا و.. .! فظل المجتمع لا يقرأ إلا خطابات وعظية ساكنة متكررة عبر الزمن السحيق، أو خطابات (تثقيفية) (تيك.. أوي)، ولا يشاهد سوى صناعته (السينمائية) الخاصة، من خلال مقاطع (اليوتيوب)، التي (تصل) بكثافة (رهيبة) إلى جهازه (المتذاكي)، زاخرة بمشاهد دموية، للدواعش يقطعون الرقاب، والخادمات يمثلن بالأجساد، والفرسان يستلذون بتعذيب حيوانات الطبيعة الآمنة (وإن رقت نفوسهم قليلا، فثمة مقاطع من السخرية الآثمة، والكوميديا المصطنعة، المفزعة للبشر المطمئنين)!
.. أخيرا .. ما الذي حدث؟ وكيف صار كل ذلك؟ هذا المجتمع (الجديد) كان سلفه (القديم) - في تعارض عجيب لحركة الزمن - غارقا في الجمال والحب والغناء والحنين، حتى رقصت معه الحقول، واستجابت له تراتيل الوجد، وأناشيد الوجود.
الأمر الأكثر إيلاما وفجيعة أن الكثير لا يعرف (لماذا حدث كل هذا.. ؟ وأي المجتمعين هو «الأفضل»؟.. وأيا منهما كان أكثر جمالا وإخلاصا لقيمه الدينية والإنسانية معا.. !).. كاااارثة.. بالتأكيد..!