من المسؤول عما وصل إليه الاستقدام؟

 

 

استقدام العمالة المنزلية أصبح هم كل أسرة لندرته وارتفاع تكلفته وأصبح حديث المجالس العامة والخاصة ووجد به الإعلام ضالته، والخبر أيا كان مصدره تناقلته وسائل الإعلام وحررت التقارير والمقالات وتسابقت الفضائيات بعقد البرامج والندوات لوضع النقاط على الحروف، ولكنني لم أر نقطة واحدة وضعت في مكانها الصحيح على حرف واحد.
فوجهت أصابع الاتهام تارة إلى وزارة العمل وتارة إلى مكاتب الاستقدام وتارة أخرى إلى اللجنة الوطنية للاستقدام وإلى رئيسها الحالي، وزاد الطين بلة دخول وسائل مواقع التواصل الاجتماعي للإساءة إلى اللجنة الوطنية ورئيسها لغرض في نفس يعقوب.
وأعتقد، بل أجزم، بأننا كلنا معترفون بوجود المشكلة، وقبل أن ندخل في تشخيصها لا بد من أن نعود بالذاكرة إلى بدايات الاستقدام.
فالاستقدام بدأ قبل ثلاثة عقود ونيف تحت إشراف عدد من الوزارات، وأقبل عليه الناس ليس من باب الحاجة كما هو الآن، ودخلناه من أوسع أبوابه باعتباره مظهرا من مظاهر التحضر والمباهاة والترف، وتعودنا عليه حتى أصبح كالأوكسجين الذي لا غنى عنه، وصاحب هذه الحقبة الزمنية عدد من السلبيات التي تراكمت وأصبحت أحد أهم أسباب المشكلة.
من وجهة نظري الخاصة هناك أطراف أخرى شاركت في تفاقم المشكلة بشكل مباشر وغير مباشر ومنها الإعلام وأصحاب النشاط والمواطن، بالإضافة إلى الوزارات المسؤولة عن الاستقدام، من السلبيات على سبيل المثال:
أولا: الوزارات المشرفة على الاستقدام:
- تعدد الإشراف على هذا النشاط بحد عينه خطأ إداري جسيم، فالسفينة إذا تعدد ربانها غرقت، فلكل وزارة وجهة نظر تختلف عن الوزارة الأخرى وتعد أي وجهة نظر من غيرها تدخلا في شؤونها، فالنظر للمصلحة الخاصة غلب على النظر للمصلحة العامة في أغلب الوزارات مما يضعف القرارات والتعليمات التنظيمية الصادرة في هذا الشأن من وزارة ما لدى الوزارات الأخرى! مما يفقدها مضمونها أو يؤدي إلى إلغائها بسبب ركنها في الأدراج.
- تأخر أو عدم قيام هذه الوزارات بتشريع الأنظمة واللوائح المنظمة والملزمة لعملية الاستقدام مما أحدث خللا واضحا وفجوة عميقة في الحقوق والواجبات بين الأطراف المتعاقدة من جهة وبسوق العمل من جهة أخرى، حتى أصبح هذا النشاط مهنة من لا مهنة له، وتعدى الأمر المواطنين لتدخل العمالة الوافدة في هذا المجال.
- عدم مواكبة هذه الوزارات للأحداث والتطورات التي تحدث في هذا النشاط بسبب عدم تفرد وزارة ما بالقرار ولا بد من التشاور مع الوزارات الأخرى مما يستدعي تشكيل اللجان التي هي كافية بحد ذاتها لقتل موضوع ما.
- عدم قيام الجهات ذات العلاقة التابعة لوزارة الداخلية بتوحيد إجراءاتها على مستوى المناطق، فتجد كل منطقة تختلف عن المنطقة الأخرى وذلك بسبب تبعيتها لإمارات المناطق.
- تفشي الفساد الإداري والمالي في بعض هذه الجهات.
ثانيا: الإعلام:
لم تكن الصحافة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي (الإعلام الحديث) مواكبة لنشاط الاستقدام في بداياته الأولى بل كانت الصحافة الورقية والإعلام المرئي والمسموع من واكب هذا الحدث وإن كانت الصحافة المقروءة هي الأكثر تأثيرا وللأسف فالتأثير السلبي هو الأبرز، ومن ذلك:
- قامت بعض الصحف الورقية بتضليل المواطن بالسماح لغير المرخصين بالإعلان وممارسة النشاط عبر الإعلانات المبوبة مقابل ثمن بخس، مما أوهم الكثير من المواطنين بنظامية أصحاب هذه الإعلانات من مكاتب الخدمات العامة.
- كان الإعلام لينا ولطيفا في التعامل مع جرائم العمالة المنزلية في المنازل السعودية، ولم يكن بشدته اليوم ضد العمالة الإثيوبية، وأنا لا أدافع عنهم فهم يستحقون ما وصفوا به لبشاعة جرائمهم وأكثر، ولكنني أتساءل ما سبب هذا التحول من إعلامنا العزيز! فقد كان يصف العاملة التي ارتكبت جريمة ما (قامت عاملة آسيوية)، فبعض العمالة الإندونيسية التي نتباكى عليها اليوم أكثر إجراما ولم يكن إجراما فرديا بل كان ضد أسر كاملة، بالسحر والشعوذة ولم يتطرق الإعلام لذلك.
- المقالات التي تكتب لمناقشة مشاكل الاستقدام حتى وإن كانت من كتاب مؤثرين لا ينظر لها من أصحاب القرار فهي تكتب على غير علم ولا دلائل، ويزداد الطين بلة إذا كان لها هدف آخر غير النقد البناء.
- لا يمر يوم أو يومان إلا ونقرأ خبرا في إحدى وسائل الإعلام عن فتح باب الاستقدام من دولة ما دون التأكد من مصدر الخبر وآلية العمل به، قد يتم استغلال ذلك من السماسرة في الداخل بإيهام المواطنين بالإعلان عن الاستقدام من هذه الدول مما يعرض المواطنين إلى ضياع وقتهم ومالهم.
- فقدان إعلامنا العزيز دوره التثقيفي للمواطنين سواء في عملية الاستقدام أو حتى التعامل مع العمالة المنزلية.
ثالثا: أصحاب مكاتب الاستقدام الأهلية:
مساكين أصحاب هذه المكاتب فهم يتحملون وزر غيرهم ومع ذلك أنا لا أبرئهم جميعا، فمنهم من أساء لنفسه وزملائه ووطنه ومواطنيه بقصد أو بدون قصد، وأبرز الأعمال التي أساءت لهذا النشاط ما يلي:
- عدم تكاتفهم تحت لواء اللجنة الوطنية التي أسست للدفاع عن حقوقهم وتحقيق المصلحة العامة والقيام بالتعاقد مع نظرائهم في دول الاستقدام وفق مصالحهم الخاصة ضاربين بتوصيات اللجنة واتفاقاتها مع دول الاستقدام عرض الحائط.
- زاد الطين بلة من قاموا بالاستثمارات في دول الاستقدام بفتح مكاتب وشركات للاستقدام يعاملون أخاهم السعودي أسوأ من الأجنبي سواء برفع الأسعار أو عدم الالتزام بالحالات المتعارف عليها بالتعويض كرفض العمل، مما جعل كثيرين من أصحاب المكاتب الأجنبية يتنصلون من التزاماتهم تجاه وكلائهم السعوديين من أصحاب المكاتب اقتداء بهم، ومحاولة الإضرار بزملائهم في الداخل بتخفيض التكلفة إلى أن تتساوى مع تكلفة المكتب السعودي معتمدين على ربحيتهم في الخارج على أمل إخراجهم من السوق.
- بعض أصحاب المكاتب السعودية لا يوفون بالتزاماتهم المالية تجاه وكلائهم بالخارج مما أضر بسمعة زملائهم.
- سوء الإدارة عند بعض أصحاب هذه المكاتب، فمنهم من أجر مكتبه لمواطنين أو غير مواطنين، ومنهم من تعرض للسرقة من بعض موظفيه بسبب ضعف الرقابة وعدم وجود نظام محاسبي وإداري محكم، ومن بعض أصحاب هذه المكاتب من تعامل مع مكاتب خدمات عامة في بعض المناطق كمسوقين له.
نتج عن هذه الإدارة السيئة دخول أفراد في هذا المجال غير مرخصين في ظل ضعف الرقابة الحكومية كما أسلفنا حتى أصبح الاستقدام مهنة من لا مهنة له.
- بعض أصحاب هذه المكاتب أساء للأمانة التي اؤتمن عليها في التفويضات من أيام التفويضات الورقية ثم الالكترونية غير مبالين بالأضرار الناتجة عن ذلك لزملائهم أو مواطنيهم أو وطنهم.
في مقال مقبل سنتحدث عن سلبية رابعة وهي ثقافة المواطن والتعامل مع العمالة.