تداعيات (للزمن) في قضية (دكتوراه السريحي)!

وعود على بدء، في قضية (دكتوراه السريحي) كانت تداعيات هذا النثار مقاربة أخرى لهذه القضية:
(1)
لكأني أنصت إلى شاعرنا الجليل (محمد الثبيتي) - وهو الصديق القريب من (سعيد السريحي) والمعادل النقدي المعرفي لشعرية (الثبيتي) - يقول، وقد سمع عن بعث هذه القضية، التي كان فيها انتصار صاحبه، وهزيمة أعدائه المهينة - بيته الشهير:
«ستموت النسور التي وشمت دمك الطفل يوما/ وأنت الذي في عروق الثرى نخلة لا تموت».
لتموت النسور الظالمة وهي حية، بداء الفضيحة والخزي، ويبقى (السريحي) نخلة سامقة، كلما (استبد) بها الوجع، سمت وأمست سعائفها تنظر للأرض من عل!
(2)
بالطبع، فالقول بطول العهد بحدث تلك القضية، لا ينتزع منها أهميتها القصوى، فالمسألة ليست مطالبة بحق قانوني غائب، ولا بإجراء تشريعي (ملح)، ولكنها قضية للتاريخ للأجيال القادمة.. لرؤيتنا المستقبلية للمنهج العلمي في جامعاتنا.. وهي قضية تؤكد للناس أجمعين، بأن محاولة إخضاع الحقوق وانتزاع السلطات باسم دين الله العظيم، لن يكون مصيرها إلا الخسران الأثيم!!
كما أن القضية أفصحت بجلاء عن الواقع الأليم لمستوى الأكاديمية العلمية في بعض جامعاتنا، والتي حرمتنا بلا شك من جيل مفعم بالموهبة والجدارة، والقدرة على استثمار منهجيات العلم، لإقامة الصروح الوطنية الراسخة لمجتمع (المعرفة).
وهي في اللحظة ذاتها فضحت للملأ أسماء كثيرة شاركت في تلك الجريمة، بحق المنهج العلمي وأدبيات المشهد الأكاديمي الرصين، من الذين شجعوا أو قرروا أو ناقشوا أو كتبوا أو شاركوا بشكل أو بآخر في انتزاع حق علمي من صاحبه، في الأرض الحرام، التي بها تصان الحقوق وتطمئن الأنفس، سواء من المناقشين، أو كاتب التقرير (السري الأسود)، أو مدير الجامعة الذي تواطأ على ذلك العبث وأعطى الضوء الأخضر لتقديم التقرير السري الأسود (بعد انقضاء المناقشة ومنح الدرجة)، ثم أجبر الطالب على كتابة تعهد بعدم المطالبة بالتدريس في (جامعته) نهائيا (في سابقة لم يعرف لها التعليم الجامعي مثيلا)، أو شيخنا العجيب (إياه) الذي (شرب المقلب) واقتنع ببراءة عاطفية - ليس لها ثمة مكان في العالم الأكاديمي الحقيقي- بصراخ الذين جاؤوه يستنجدونه على (المشاركة) في كتابة التقرير، فيزداد سواد المشهد سوادا بغيضا لا حد له، ولا يغيب عن البال، أستاذنا الدكتور.. شيخ (القوم)، من بني حارث (عميد كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى حينها)، على (موقفه) العجيب من حياديته (المريبة) تجاه رسالة تناقش (بتحد وسخرية)، وأساتذة لديه استمرؤوا كتابة التقارير الاستخباراتية من أروقة وغرف كلية اللغة العربية ذاتها، وطالب مشهود له في الكلية بالنجابة والذكاء يواجه وحيدا أساطين (الأساتذة) و(الشيوخ)، وحتى الذين تم استدعاؤهم من خارج الكلية، للبحث في الشأن (الديني)، لطالب من بني جلدته ينتمي لقوم يدينون (بالإسلام) الذين شربوه مع حليب أمهاتهم، قبل أن يولد (إخوان الإسلام المزيف)!
(3)
د. باجودة.. فقط، يخرج (مشعا بالنقاء) من بين كل ذلك (السواد)، فهو (الوحيد) من أبطال الحكاية المريرة الذي احترم نفسه ودرجته العلمية، وكان صادقا مع ربه، وهو يربأ بنفسه عن الاستجابة لذلك (الفعل) والوقوف نبلا مع (طالبه) النجيب، ثم الرفع لوزير التعليم العالي يناشده برفع الظلم، وإحقاق الحق.
تحية.. لكل المتعمقين في مقاصد (الشرع الحكيم) قولا وسلوكا، ولكل الأكاديميين الملتزمين بنداءات المنهج العلمي والحيادية والموضوعية في كل شأن ينتمي إلى المشهد الجامعي!
.. كلهم سقطوا.. كلهم..! وارتفع د. باجودة عاليا!
(4)
أرى أن يكون الكتاب القادم لأستاذنا السريحي، في تجليات هذه القضية، التي تعرض لها في بداية حياته العلمية والبحثية، بمعنى أن يكتب عن الأجواء التي صادفت زمن كتابة (الرسالة/ القضية)، والشخصيات التي ساندته في مهمته الدراسية تلك، والشخصيات التي ناصبته العداء، بأسمائهم الحقيقية (بعدما انكشفت الأمور بالأسماء موثقة بالوثائق والاعترافات والتسجيلات الصوتية)! كما أن من الممكن أن يتضمن الكتاب حكاية ليلة المناقشة، بما فيها من مشاعر ورغبات متناقضة (من طموح وإثبات للذات وتربص وضغينة وتحد و...)، ثمة تداعيات كثيرة يمكن أن يوثقها السريحي، (كما فعل د.الغذامي في كتابه: حكاية الحداثة في المملكة)، ليكون ما يكتبه وثائق شاهدة على مرحلة متوترة في مشهدنا الجامعي والثقافي عامة!
ثم إذا انتهى منه، عرضه في أول معرض للكتاب تقيمه جامعة أم القرى، مع نسخ موقعة لإهداء جميع الأسماء التي اشتمل عليها الكتاب! حقا.. فإن القضية تستحق التوثيق، بعد أن أصبحت موضوعا من مواضيع الرأي العام في مكوننا الثقافي!
(5)
(خالد قماش).. من أين لك بكل ذلك (التألق)؟ كيف عرفت السبيل إلى (عش الدبابير)؟ كيف قدرت على تجاوز (الأسوار) للنفاذ إلى (الغرف المظلمة)، التي كان (يحاكم) داخلها علماء ومثقفو العصور الوسطى، لتأتي بتلك (الوثيقة) التي تذكرها (الزمن)، فـ(أذكيت) شعلتك، وسط غابة من ليل ووجع؟!