البيع بالقوّة
الجمعة، ٥ ديسمبر ٢٠١٤
عندما تخبرني إحدى بناتي بأن المدرسة تمنع الطالبات من إحضار الأطعمة من البيت النظيف، وأن المدرسة تشكل لجنة من طالبات النظام للتفتيش ومصادرة ساندوتشات أعدتها أمهات لبناتهن، وتحدثني أخرى تذهب لدار تحفيظ القرآن عصرا وتجبرها أنظمة الدار على الحضور خاوية الوفاض إلا من ريالات يجب عليها أن تبتاع بها شيئا مما تبيعه تلك الدار، دون حق في الاعتراض على قيمة أو جودة، أجد نفسي غير مقتنع بفلسفة المدرسة ولا حجة الدار بأن الهدف غذاء صحي، بل هي فلسفة البيع بالقوة.
تفنن أحد أطفال الروضة في إخفاء قطع شوكلاتة بين ملابسه خوفا من بطش المعلمة بممتلكاته الغالية على قلبه ولكنه في المرة الثالثة ضبط عندما أخفى قطعا أكثر من العادة متعاونا مع ابنة جيرانه فسقطت بذلك إمبراطورية التهريب في روضة أطفال عربية قامت على أنقاض البيع بالقوة.
يبدو أن تصرف أنظمة بعض الحكومات في منع دخول البضائع الاستهلاكية من الخارج دون ضرائب أو إتاوات بداعي المحافظة على المنتج المحلي من المواد المشابهة لينتعش بذلك سوق التهريب والمحسوبيات صار استراتجية بيعٍ بالقوة على المستوى الضيق عند البعض.
القوة لم تعد افعل ولا تفعل، بل أضحت استغلال الظروف والأوقات والسلطة والحاجات واللزوميات للأفراد والمجتمعات على حد سواء، ولم يعد الأمر قاصرا على الإجبار المعنوي في ميدان معين، إنما صارت القوة شعارا ترفعه حتى شركات إنتاج المشروبات الغازية.
في المطارات بيع بالقوة، وفي طائرات بعض الشركات بيع بالقوة، وفي السجون بيع بالقوة، وفي بعض مستشفيات القطاع الخاص بيع بالقوة، فحين تنعدم الخيارات أفقيا ورأسيا مع إمكانية وجودها فالبيع حينها بالقوة، ليسوغ لنا أن نستحدث مثلا عاميا جديدا (كل شي بالمروة إلا البيع صار بالقوة).
ورغم الحرية والشفافية التي تتغنى بها بعض الأسواق الرأسمالية لا نجد في أصغر مستلزمات الحياة اليومية الفردية سوى استخدام مفرط للقوة لإخضاع الناس صغارا وكبارا لأوامر شرائية تحت عنوانٍ زائف أو أحادية خيار، فلا سماحة شراء ولا سماحة بيع، فالناتج من الرحمة صفر.
ومثلما أفرزت الأنظمية الاقتصادية في بعض الدول سوقا سوداء لكثير من المنتجات والعملات أصبحت لدينا أسواق بألوان الطيف داخل المؤسسات التعليمية والجامعات وقصور الأفراح والمجمعات السكنية المغلقة ومحطات الطرق على قوم لا يملكون من أمرهم شيئا سوى الامتثال لارتفاع السعر وسوء الخدمة.