بكاء الصغار وابتسامة الكبار

 

 

لم يكن دور الصحافة على مر التاريخ مرتبطا بنقل الأخبار وتقديمها للجمهور، فهي وسيلة أساسية لإظهار الحقائق وإيضاحها أمام المسؤولين والمجتمع، ويلعب الصحفي دورا أساسيا في ذلك من خلال ما يتناوله من استطلاعات رأي ومقالات.
والصحفي هو مرآة المجتمع للمسوؤلين بما يطرحه من قضايا وأحداث، ويقول أصحاب الخبرة والرأي من أساتذة الصحافة ورجال الإعلام «إن الصحفي لا يكون ناجحا إلا بما يتناوله من قضايا وما ينقله من أحداث ذات علاقة مباشرة بالمجتمع وأفراده، حتى وإن أغضب طرحه البعض».
وفي المقابل فإن «المسؤول الناجح هو من ينظر للصحافة وما تتناوله من نقد تجاه دائرته فيسعى للقضاء على ذلك ويعمل على إصلاح أخطائه».
هذه هي الصحافة الحقيقية التي تعلمها الكثيرون، غير أن ما تعلمناه ومارسناه منذ عقود مضت غدا أمرا صعبا خلال الفترة الحالية، بعد أن رأينا الأقزام يتسلقون الأغصان ويقذفون الثمار الناضجة فلا هم مستفيدون منها ولا يتركون غيرهم يستفيد منها.
ومما يؤسف له أن متسلقي الأغصان لم يكن وصولهم إلى الثمار الناضجة بجد واجتهاد، لكنهم وصلوها بلغة الوعود الكاذبة، وتسديد الرسوم، وتقديم الهدايا، وهو ما يؤكد أنهم ليسوا أهلا لما وصلوا إليه.
وبعيدا عن هذا وذاك حتى لا يقال إنني أقصد شخصا بعينه، أو جهة بذاتها، أقول إن البعض ممن وصلوا لمراكز قيادية داخل مؤسسات وهيئات المجتمع المدني ليسوا أهلا لما وصلوا إليه، لذلك نراهم كلما وجهت صحيفة أو كاتب نقدا لأدائهم العملي، وضعوا مبررات بعيدة عن المنطق والعقل، واتهموا الكاتب والصحيفة بالسعي لمصلحة خاصة، فهل يعتقدون أن جميع أعمالهم صحيحة وأنهم قد بلغوا قمة النجاح؟
والحقيقة تؤكد أن من ينتقد هذه الجهة أو تلك فإن نقده مبني على ملاحظات سجلت وأضرار لحقت بالبعض، غير أن أصحاب المراكز الصغار يرون عكس ذلك وينظرون للصحفي نظرة احتقار واستصغار إن هو انتقدهم، ويحدث العكس حينما يرون أنه سعى لتلميع صورهم بالمجتمع، فيتسابقون نحوه لكسب وده، فلعله بهذا يرفع معدل الإعجاب بهم، معتقدين أن في الإكثار من نشر صورهم بالصحف مكسبا ومحبة يجنونها.
وعلى العكس تماما نجد في المقابل أن كبار مسؤولي الدولة ورجال الأعمال الصادقين الأوفياء، لا ينظرون إلى صورهم المنشورة بالصحف بقدر نظرهم لما يتضمنه الخبر المرفقة به الصورة، وكثيرا ما نراهم وقد فتحوا قلوبهم قبل أبوابهم لأي نقد هادف بناء، ويسعون لاحترام الصحفي الذي ينتقد أداءهم.
والفرق في التعامل بين مسؤول كبير وآخر صغير، ورجل أعمال مرموق وآخر يبحث عن التلميع، أن الأول في الجانبين يبتسم لكل نقد هادف بناء، ويسعى لإصلاح أخطائه وإزالة الملاحظات المدونة.
أما الثاني في الجانبين فكثيرا ما يسيل دمعه حزنا لما وجه له من نقد، ونراه يسعى بكل ما أوتي من قوة للإساءة للصحفي الذي انتقده، والصحيفة التي نشرت النقد.
وختاما أقول عجبي على باحثي الأضواء كيف يقبلون فبركة الأخبار، ويتجاهلون النقد؟