حسب الأصول

مكانة «الأصل» في الحكم الأوّلي على النّاس محل عناية الحراك والنقاش، والاحتكام إلى تلقائيّة الفرد في الانجذاب للمتديّن ظاهريّاً، وجعلَه المحكّ في لزوم أنّ السّنن الظاهريّة من الدّين أمر اهتمّ به فريق..
ولعلّ هذا الأمر يجعلني أتجرّأ للكلام على «الأصل» كمفهوم أعم يجبُ أن يحتكمَ إليه المختلفون في تنظير الثورة على القديم، وما عنيتُه بالقديم هو ما يعنيه المعمّمون في مقاصد التّشريع وفلسفة الأديان بقولهم «الموروث» لأنّ النّاس اليوم رغم احتياجها لـ»أصل» تبني عليه ثائرة ضدّ كل أصل..
والنّهج البسيطُ الذي لا صعوبة في فهمه أنّ الأصل طبيعةٌ جاريةٌ سالكةٌ في كلّ معايير الحياة التي يحاول العقلُ البشري استيعابها يوماً بعدَ يوم وزماناً بعدَ آخر، فكيفَ يكونُ للإنسانِ قدرةٌ على التأكيدِ بأن ناتج جمع العددين واحد وواحد هو اثنين، إن لم يكن قد استقرّ في نفسه أنّ الأصل في الأعداد الاستقلاليّة ما لم تُجمَع لبعضها البعض..
ثمّ كيفَ استطاعَ الإنسانُ أن يصعدَ للفضاء الخارجي إن لم يكن قد تمكّنَ من عقله بأنّ الأصلَ أن المواد تهوي للأسفل بفعل الجاذبيّة ليبني على ذلك الأصل ما يضادّه، فيحتاج لقوّة دفع تصعدُ به بعيداً إلى دائرة أخرى فيها أصلٌ يختلف، وليس غريباً أن من علِمَ بأنّ الأصلَ في المتّهم البراءة أن تُحبّ نفسه تشريعات تحفظ هذا الأصل حتى يقومَ الدليل على غيره أو تحويله عن أصله..
من هذا المنطلق الذي يتّفق فيه كلّ من يفكّر ويفهم سواءٌ كان مصنّفاً من الإسلاميين أو المسلمين أو من هذه الفرقة أو تلك الطائفة أو ذاك الحزب، نجدُ بأنّ تقرير الأصول في الأشياء والقضايا الخلافيّة دينيّاً أو سياسيّاً أو اجتماعياً أو فكريّاً هو أوّل ما يجبُ على الكتّاب أو المثقّفين فعله قبل أن يتفوّهوا ببنتِ شفة..
عندما يكونُ الأصلُ في الإنسانِ أنّه حرّ والأصلُ في الحرّ أن يختار والأصلُ في المختار أن يلزّمَ اختيارَه والأصل في اللزوم المداومة والأصل في المداومة الدّفاع عن وجهة النّظر وأصل الدفاع عن وجهة النّظر الحرص على التبرير والأصل في التبرير تقديم الدّليل والأصل في الدليل أنّه أصلٌ، فلماذا إذاً يعيبُ البعض على من آمن بالله ورسوله مرجعاً وديناً وحكماً أن يحكّموا دينهم في كلّ ما شجرَ بينهم..
حذّرنا المولى أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الكفر بترك الدّين فقط بل هو بجحد بعض لزوميّات هذا الشّرع أو تحريف مقتضياته عن أصلها الثّابت المكتسب من الأدلّة التي من المفترض أنّنا اتفقنا على أنّها أصلٌ لكلا الفريقين، أمّا أن يكونَ لمن لا دينَ له الحقّ في اختيار هلاميّة قناعاته وسلوكيّاته ولا يكونُ لمن دانَ بدينٍ الحقّ في سلوكيّاتٍ لا تؤذي جيرانه ولا تكتمُ حريّة العراة في شواطئ الأطلسيّ، ولا الشّاذين في شوارع القارّة الحمراء، فهذا لا أصلَ له أبداً..
غريبَةٌ هي أحوال من يسلمونَ لله شهادةً وصلاةً ومرجعاً ويرفضونَ بأنّ يكونَ لكتابهم العزيز وسنّة نبيّهم الكريم الحقّ في تقويمِ تعاملهم مع جوارحهم وأسرهم وأموالهم، ومعَ ذلك تجدهم يقولون «إنا لله وإنا إليه راجعون» فكيفَ تكونُ لله وأنتَ مارقٌ عن تشريعه الحكيم بفلسفة من هنا واستهزاءٍ من هناك..
نعم والله إنّ للدين مظهرا كما لهُ مخبر، ونعم والله إنّ للدين لباسا ولباسُ التقوى ذلك خير، ونعم والله إن للدّين هيئة ووجها «وكاريزما» كما له روحانيّات وسلوكيّات وأخلاقيات وتشريعات وعقوبات، وإلا فمن أعطى الحقّ لأن يكونَ للمحامين في دول العالم لباسٌ خاص، وللقضاة في بعض الدول شعر رأس مستعار، وللحكام في كرة القدم ما يميّزهم عن غيرهم من اللاعبين، ومن أعطى الحقّ لممارسي الغناء وممارسات الرّقص أن يكون لهؤلاء وأولئك مظهرٌ وإن كانَ لهم مخبرٌ مغاير..
ولله المثلُ الأعلى، لكنّ الاعتداءَ على الأصل مثل الاعتداء على الحريّات التي نتشدّق يميناً وشمالاً بحثاً عنها وهي التي قد أطلقها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً حين أخرجَ الناس من ضيق أنفسهم إلى واسع رحمة ربّهم، وهداهم إلى عبادة ربّ العباد بعدَ أن عبدوا من لا يسمع ولا يبصرُ ولا يغني عنهم شيئاً..
إذا كانت حرّية الدّين مكفولة بقرار من الأمم المتحدّة فالأصل بأن حرّية تطبيق الدّين مستمدّة من حرّية اعتناقه أصلاً وإلا كانَ الأمر والقرار في غاية السذاجة وعدم الأهمّية، ولا يفهم دينَ المسلمين مثل المسلمين ولا يعرفُ مقصودَ ربّ العالمين في القرآن الكريم غير من نزلَ عليه صلى الله عليه وسلّم وعلّمه أصحابه ووصلَ إلينا بتوفيق وحفظِ من ربّ العالمين..
وبالتّالي فإن الله جلّ وعلا يًعاملنا بالأصل، فهو الذي قالَ عن دينه بأنّه الخاتم وأنّه باق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والأصل في قرار إلهي كهذا أن يكونَ ربّنا قد هيّأ من موجبات بقائه ما يضمنُ وصوله إلينا محفوظاً مصوناً من شوائبٍ تعصفُ بالأصول، وإن اختلفَ النّاس في تنزيل الحكم على الفروع..
لا تمنعونا من أن نقولَ بأنّ الأصلَ أنّ الناس تحبّ دينَ ربّها والأصل في الدين الانضباط والسلام، ولا تمنعونا من أن نقول بأنّ الأصل في الدّين أخذه كلّه أو تركه كلّه اقتداءً بالخليفة الراشد الصّديق الذي حاربَ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة..
امنحونا فرصةً أن نُخبركم بالأصول لترجعوا بعدَ ذلك لنفوسكم وتعلموا أنّ مخالفة الأصل تجعلُ المعنى واضحاً، وسنمنحكم فرصاً عديدة لتخبرونا ما هي الأصول التي تنطلقونَ منها دون شروطٍ مسبقة عليكم، ولكن لتكن حسبَ الأصول..