أوكرانيا على خط المواجهة
الجمعة، ٢٧ فبراير ٢٠١٥أوكرانيا على خط المواجهة
الكاتب: ريتشارد ساكوا
الناشر: آي بي توريس، 2014
عندما صرح رئيس وزراء أوكرانيا أرسيني ياتسينيوك، لإحدى قنوات التلفزيون الألماني أخيرا أن الاتحاد السوفيتي قام بغزو ألمانيا، هل كان ذلك مجرد جهل أعمى بحقائق التاريخ؟ أم أنه ذلك نتيجة أوهام منحرفة تدور في ذهنه؟ لو كان الاتحاد السوفيتي حقا هو الطرف المعتدي في 1941، فإن ذلك سيلائم الطريقة التي يروي بها ياتسينيوك الأحداث والتطورات الجيوسياسية الحالية التي تتحمل فيها روسيا اللوم بشكل كامل على اندلاع الأزمة في المنطقة.
وعندما قال نائب وزير الخارجية البولوني جريجور شيتينا أن الأوكرانيين هم الذين قاموا بتحرير معتقل أوشويتز، هل كان يعرف في الحقيقة أن الجيش الأحمر هو قوة متعددة الجنسيات كان فيه الأوكرانيون يلعبون دورا بالتأكيد، لكن غالبية الجنود كانوا من الروس؟ أم أنه كان يبحث عن طريقة جديدة لاستفزاز الكرملين؟في مواجهة هذه التحريفات غير المسؤولة للحقائق التاريخية، والتي تكررت في مئات التعليقات المتحاملة والمغرضة حول السلوك الروسي من كثير من السياسيين الغربيين وزملائهم من السياسيين الشرقيين أيضا، من المفيد رؤية كتاب يتحدث عن الأزمة الأوكرانية بأسلوب هادئ ومتوازن وذي مصداقية تاريخية.
تسببت الأزمة المتصاعدة في أوكرانيا إلى دفع العالم إلى حافة حرب باردة ـ وربما ساخنة- جديدة.
في الوقت الذي تتصارع فيه كل من روسيا وأوكرانيا على منطقة شبه جزيرة القرم والمناطق الشرقية في أوكرانيا، وصلت العلاقات بين الرئيس بوتين وبين الدول الغربية إلى مستويات متدنية قياسية، فكيف وصل العالم إلى هنا؟يتحدث ريتشارد ساكوا في «أوكرانيا على خط المواجهة» عن تاريخ العلاقات الروسية – الأوكرانية وصولا إلى الأزمة الحالية من خلال خمس أزمات أجبرت أوكرانيا على الاختيار بين علاقات أقوى مع الغرب ومع أوروبا أو الاستمرار في العلاقات التاريخية القوية مع روسيا.
سياسة أحادية
ينتقد ساكوا بشكل متكرر الأساليب والاستراتيجية الروسية، لكنه يتجنب تحريف الحقائق التاريخية والإساءة الرخيصة وغير الحقيقية لروسيا أو قياداتها مثل الرئيس فلاديمير بوتين، عوضا عن ذلك، يعود ساكوا إلى أصول الصراع في أوكرانيا خلال ربع قرن من الأخطاء والأزمات التراكمية منذ نهاية الحرب الباردة.
الأزمة الأولى هي التوتر بين نموذجين مختلفين للدولة الأوكرانية: نموذج «أحادي» يؤكد أن البلد عبارة عن وحدة سياسية وثقافية متماسكة وأصيلة، وأن تحدي الاستقلال منذ 1991 هو بين تقوية اللغة الأوكرانية، إنكار المواريث القيصرية والسوفيتية، تقليص الوزن السياسي للذين يتحدثون اللغة الروسية والانطلاق بأوكرانيا بعيدا عن روسيا ونحو علاقات أكثر قوة مع أوروبا.
النموذج الآخر للدولة في أوكرانيا هو نموذج تعددي يؤكد على التجارب التاريخية والثقافية المختلفة للمناطق المختلفة فيها ويقول إن بناء دولة ديمقراطية حديثة ليس مجرد أسلوب حكم جيد وسيادة القانون، لكنه أيضا يتطلب قبول ثنائية اللغة والقبول المتبادل للثقافات المختلفة وتوزيع السلطة على المناطق، لكن الإطاحة بحكومة فيكتور يانوكوفيتش في العام الماضي، أكثر من أي تغيير آخر للحكومة في كييف منذ 1991، كانت إعلانا عن انتصار النموذج «الأحادي»، الذي يتركز أنصاره بشكل رئيسي في غرب أوكرانيا، والذي يصر قادته على أنهم يجب أن يحصلوا على كل شيء ويحرموا أنصار النموذج «التعددي» من أي فرصة للعودة إلى الواجهة السياسية في البلاد.
الأزمة الثانية تنبع من تدويل الصراع داخل أوكرانيا، الأمر الذي حول البلد إلى ما يشبه لعبة جيوسياسية مثل لعبة «شد الحبل».
يقول ساكوا أن هذا الأمر ينبع من النهاية غير المتناسقة للحرب الباردة التي أغلقت الباب أمام روسيا خارج نظام التحالف الأوروبي.
في الوقت الذي كان ميخائيل جورباتشوف وملايين الروس يرون أن نهاية الحرب الباردة تشكل انتصارا مشتركا يمكن أن يقود إلى بناء «بيت أوروبي مشترك»، رأى معظم القادة في الدول الغربية روسيا كدولة مهزومة يمكن تجاهل مصالحها تماما، وأن عليها أن ترضخ للهيمنة الأمريكية في نظام عالمي جديد ذي قطب واحد أو أن تواجه العزلة الدولية.
وبدلا من تفكيك حلف شمال الأطلسي «الناتو»، تمت تقوية تحالف الحرب الباردة وتوسيعه بالرغم من تحذيرات متتالية من خبراء غربيين بأن ذلك سيؤدي إلى إيجاد توترات دولية جديدة.
وقبل أن يصل فلاديمير بوتين إلى السلطة بفترة طويلة، كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين قد حث الغرب على عدم توسيع حلف الناتو باتجاه الشرق.
وحتى في الوضع الحالي، فإن إعلان أوكرانيا كدولة حيادية ضمن تسوية تفاوضية دولية، وضمانات من مجلس الأمن الدولي حول هذا الوضع سيؤدي في رأي الكاتب، إلى وقف فوري للتصعيد في الأزمة الأوكرانية ويجعل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أمرا ممكنا في شرق البلد.
مفارقة جغرافية مشؤومة
الصقور في إدارة الرئيس بيل كلينتون تجاهلوا هذا الأمر، وجورج بوش تخلى عن اتفاقية الصواريخ البالستية ونشر صواريخ قرب الحدود مع روسيا، والآن، بعد مرور عقد من الزمن على ذلك، وبعد ردة الفعل الروسية الغاضبة على الاستفزازات في جورجيا في 2008 وأوكرانيا اليوم، لدينا ما يسميه الكاتب ريتشارد ساكوا «مفارقة جغرافية مشؤومة: الناتو موجود لإدارة المخاطر الناجمة عن وجوده».
الأزمة الثالثة، والمتعلقة أيضا بقضية حلف الناتو، هي فشل الاتحاد الأوروبي في الالتزام بحل الصراع بشكل فعلي وعادل.
بعد 1989، كان هناك الكثير من الكلام عن وصول «ساعة أوروبا»، ومثلما ألهمت الحاجة للمصالحة الفرنسية – الألمانية تأسيس الاتحاد الأوروبي، كانت هناك آمال لدى الكثيرين في أن نهاية الحرب الباردة ستقود إلى مصالحة أوسع بين الشرق والغرب على طول «الستارة الحديدية» القديمة، لكن آفاق الاستقلال الأوروبي الأوسع أثارت قلق صانعي القرار في واشنطن، وكانت وظيفة حلف الناتو، جزئيا، هي الحفاظ على الهيمنة على السياسة الخارجية الأوروبية.
من البوسنة في 1992 إلى أوكرانيا اليوم، شهد العقدان الماضيان فرصا متكررة طالب فيها مسؤولون أمريكيون، بنية غير صادقة، بدور أوروبي أكبر في التعامل مع الأزمات الجيوسياسية في أوروبا، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعمل على تشويه وتهميش الجهود الأوروبية في هذا الإطار.
التعليق الذي شتمت فيه نائبة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأوروبية والأورآسية في العام الماضي فيكتوريا نولاند، التي تنتمي للمحافظين الجدد، الاتحاد الأوروبي كان تعبيرا قويا عن هذا الأمر.
مواضيع متجنبة
ريتشارد ساكوا يعبر عن غضب واضح من فشل أوروبا قائلا إنه بدلا من رؤية تحتضن القارة الأوروبية بكاملها، أصبح الاتحاد الأوروبي مجرد جناح مدني لحلف الناتو.
في إطار هذه الأزمات الثلاث، يقدم ريتشارد ساكوا تحليلا رائعا للأحداث على الأرض في شرق أوكرانيا وفي العاصمة كييف وواشنطن وبروكسل وموسكو.
ويغطي ساكوا الخلافات بين الذين يطمحون إلى حل الأزمة عن طريق التفاوض وبين الفريق الذي يسعى إلى تصعيد الأزمة وإلى الحرب في كل عاصمة من هذه العواصم.
يقول ساكوا: إن العقوبات على روسيا قسمت القادة الأوروبيين وإن الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو يتعرض لضغوط مستمرة من رئيس الوزراء أرسيني ياتسينيوك، المقرب من المتحدثة باسم الإدارة الأمريكية فكتوريا نولاند، للاعتماد على القوة العسكرية.
أما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن الكاتب ريتشارد ساكوا يرى أن دوره الرئيسي يكمن في تنظيم مصالح الأطراف المختلفة وإطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان من أجل الوصول إلى توازن بين ما يريده اليمينيون المتطرفون وبين ما يريده المتمردون في أوكرانيا، والذين يحصلون على الأسلحة من روسيا لكنهم ليسوا في الواقع مجرد دمى في يد الكرملين.
ويتحدث أيضا عن مواضيع تتجنب المصادر الغربية الحديث عنها بشكل عام، مثل الضحايا المدنيين في شرق أوكرانيا الذين يسقطون نتيجة قصف الجيش الأوكراني، والاعتداء الشخصي على المرشحين اليساريين خلال انتخابات العام الماضي في أوكرانيا، وفشل استكمال التحقيقات في قضية نشاطات القنص في كييف في فبراير الماضي أو مذبحة أوديسا التي أُحرق فيها العشرات من المعارضين للحكومة الأوكرانية الحالية وهم أحياء نتيجة إضرام النار في المبنى الذي كانوا يختبئون فيه.
ريتشارد ساكوا
أكاديمي خبير في شؤون السياسة الأوروبية والروسية، ورئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة كنت في بريطانيا، وزميل مشارك في برنامج الدراسات الروسية والأورآسية في مؤسسة تشاتهام هاوس البريطانية للأبحاث وله كتابات متعددة في هذا المجال».