فتنة الحضور!
الثلاثاء، ٢ ديسمبر ٢٠١٤
توضح معاجم اللغة العربية أن مسمى الإنسان مشتق من الأنس، فالإنسان السوي لا يأنس إلا مع غيره من البشر، وبالتالي فإن حياتنا لا تصلح بدون الآخرين، سواء كان الآخرون مذهلين أم بغاية القبح، فنحن بدون هذا لا نعرف قيمة ذاك! دعونا من القُبح الآن، وتعالوا ننطلق للحديث عن السادة المذهلين بحياتنا! اسمحوا لي أن أصدمكم قليلا! أغمضوا أعينكم..تخيلوا أعز ثلاثة أشخاص بحياتكم وقد فقدتموهم! أعذروني قليلا في هذا التشاؤم. حمى اللهُ أحبتكم من كل سوء، لكن لا بد أن نستمر في الحديث حتى نصل لبعض الفهم، وحتى أتمكن من إكمال بقية مقالي!
هل تخيلتم حجم الألم بفقد أحبابكم؟! أعتذر مجددا عن إزعاجكم بهذا الطلب.
لكن ما أود قوله هنا، هو أن الحياة بلا كثير من الوجوه الفاتنة في حياتنا لا قيمة لها، بل إنها لا تستحق أن تُسمى حياة على الإطلاق! وتلك الوجوه لها في وجداننا فتنةٌ لا يمكن وصفها! وهي ما أسميها أو أصفها بفتنة الحضور.
إنه طوفانٌ غامر من مشاعر مبهجة، تملأ أعيننا وأسماعنا وكافة حواسنا، وتغرقها بالذهول والدهشة بحضرة أحبابنا! ذهولٌ بلا انقطاع، ودهشةٌ بلانهاية! والحديث هنا عام شامل عن الذين نحبهم من أقاربنا وأصدقائنا وبقية الناس!
أيها القراء الكرام والقارئات الكريمات، (لا تنزعجوا من التقديم والتأخير هنا، العرب تقول: التأخير للأهمّية!)، إن تلك الوجوه المشرقة التي تصب في شراييننا الحُب هي من أسباب مناعتنا النفسية! وتلك الوجوه الباسمة هي رصيدنا الروحي بأوقات الأفراح والأتراح. عندما تهطل علينا السعادة والمسرات ننطلق لزف البشرى لأحبتنا. وعندما تدهمنا الهموم والخيبات نهرع لوجوه أحبتنا وأصواتهم، ونشتاق لحروف مواساتهم!
يقول الشاعر شمس الدين الكوفي الواعظ:
إن كنتَ مثلي للأحبة فاقدا أو في فؤادك لوعةٌ وغرام
قف في ديار الظاعنين ونادها: يا دار ما صنعت بك الأيامُ؟!
لا قيمة للحياة بدون المشاركة، فالسعادة تزداد إذا تمت مشاركتها، والأحزان تتلاشى إذا حمل كل حبيب مع حبيبه جزءا منها! وهكذا، يبقى هذا الكائن المسكين المسمى بالإنسان، يبقى بين أمواج بحر الحياة، تارة تعصف به الأمواج وتضيع منه جهاته الأصلية والفرعية! وتارة تغدو تلك الأمواج لوحات طبيعية تمتع نظر من يجلس مسترخيا على شاطئ الأمان، مستمتعا بدفء شمس الضحى!
أخشى انقضاء المساحة والوقت الممتع معكم، ولأجل ذلك أقول: أولوا أحبابكم غاية عنايتكم، وقولوا لهم بصوت واضح ومسموع: (نحبكم!)، تماما مثلما أقولها أنا لكل من يمسك هذه الصحيفة بيديه، أو يقرأ سطوري من شاشة جواله: أحبك بصدق!