الإنسان بين غنى العقل وغنى اليد

طرح المرحوم مصطفى لطفي المنفلوطي في إحدى مقالاته في (النظرات) سؤالا نصه: أيهما أصلح للإنسان أن يولد فقيرًا أو غنيًّا؟ وقال: «لي ولد وحيد في السابعة من عمره، لا أستطيع على حبي إياه وافتتاني به أن أتركه من بعدي غنيا لأني فقير، وما أنا بآسف على ذلك ولا مبتئس؛ لأني أرجو بفضل الله وعونه ورحمته وإحسانه أن أترك له ثروة من العقل والأدب هي عندي خير ألف مرة من ثروة الفضة والذهب، أحب أن ينشأ معتمدا على نفسه في تحصيل رزقه وتكوين حياته، لا على أي شيء آخر، حتى على الثروة التي يتركها له أبوه، ومن نشأ هذا المنشأ وأَلِفَ ألا يأكل إلا من الخبز الذي يصنعه بيده، نشأ عزوفًا عيوفًا مترفعًا لا يتطلع إلى ما في يد غيره، ولا يستعذب طعم الصدقة والإحسان، أحب أن ينشأ رجلا، ولا سبيل إلى الرجولة إلا من ناحية العمل، وقلما يعمل العامل إلا بسائق من الضرورة ودافع من الحاجة، وفرق بين الغني الذي يعمل لتنمية ثروته وتعظيم شأنها شرهًا وفضولا وبين الفقير الذي يعمل لتحصيل قوته وتقويم أَوَد حياته».
هكذا يقول مصطفى المنفلوطي، وهذه فلسفته في حياته وحياة ابنه، ولكن: ماذا كان سيقول لو رأى حجم هذا الركون والخمول من قبل الأبناء في عصر التقنية والرفاهية، والانغماس في الحياة المادية من قبل الآباء، والنظر إلى أن الجانب المادي مقدم على بقية الجوانب.
إن عبارته (ولا سبيل إلى الرجولة إلا من ناحية العمل) عبارة عظيمة، تستحق أن تكتب بماء الذهب؛ إذ يمكن الوصول إلى المادة وتحقيق الطموح في هذا الجانب بكثير من الطرق المشروعة وغير المشروعة، ولكن حينما يكون العمل الحقيقي والجاد والاعتماد على الذات هو السبيل لذلك فإن هذا هو عين الرجولة ومبعث راحة النفس ورضا الضمير، عند أصحاب الفطرة السليمة والنفوس الصادقة. 
إن تعليم الأبناء هذه المبادئ، والحرص على أن يكون لديهم شعور وإحساس بالمسؤولية أمر في غاية الضرورة والأهمية، وخصوصًا لدى أبناء البلدان التي يتوافر بها الكثير من الإمكانات المادية، ويعيش أبناؤها حالة من الترف والرفاهية، والتأكيد على أن غنى العقل مقدم على غنى اليد، وأن الإنسان الناجح هو من توافرت له مقومات الوعي والمعرفة والعمل لا من توافرت له المقومات المادية وأسباب الرفاهية دون أن يكون له شرف العمل والممارسة والتجربة واكتساب المعرفة والخبرة.